فلسطين أون لاين

تقرير “بس لو”.. حين تصبح الأداة الفارق بين البطالة والعمل في غزة

...
صورة من الفعاليات الخيرية التي تنظمها المشاركات بمشروع "بس لو"
غزة/ مريم الشوبكي:

في مكان تُثقل فيه الحرب والحصار كاهل الحياة اليومية، لا يبدو غياب الفرص في قطاع غزة نتيجة نقص في الطموح بقدر ما هو انعكاس لواقع اقتصادي متآكل. فوفق تقديرات أممية، يعيش معظم شباب القطاع خارج سوق العمل، بينما تتجاوز البطالة بينهم مستويات قياسية، في وقت باتت فيه المهارات وحدها غير كافية للنجاة دون أدوات أو بيئة تمكّن أصحابها من الإنتاج.

وسط هذا المشهد، جاء مشروع "بس لو" كمحاولة لكسر الحلقة المفرغة بين القدرة والعجز، عبر مقاربة تنموية لا تنطلق من فكرة الإغاثة، بل من الإيمان بأن كثيرًا من الشباب في غزة يمتلكون ما يؤهلهم للعمل، لو توفرت لهم الإمكانيات الأساسية فقط.

انطلق المشروع بالتعاون مع مؤسسة دولية قبل اندلاع الحرب بنحو عام، خلال الفترة ما بين 2022 و2023، واستهدف فئة من الشباب الذين حالت الظروف المادية دون تطوير مشاريعهم، رغم امتلاكهم مهارات حقيقية وفرصًا ممكنة للدخل، سواء من داخل القطاع أو عبر العمل الحر مع الخارج، الذي أصبح أحد المسارات القليلة المتاحة في ظل شبه انهيار سوق العمل المحلي.

تقول مديرة مركز سنابل الخير الشبابي بغزة المهندسة إسراء فروانة، إن الفكرة لم تكن يومًا البحث عن حالات ضعف، بل عن طاقات كامنة.

 وتوضح فروانة في حديث ل"فلسطين" أن المشروع بُني على قناعة مفادها أن العائق في كثير من الأحيان لا يكون غياب المهارة أو الرغبة، بل فقدان أداة بسيطة، قد تفصل بين البطالة والاستقلال الاقتصادي.

 وتشير إلى أن على مدار مراحل التنفيذ، دعم "بس لو" عشر قصص شبابية حتى الآن، تنوعت بين مشاريع بحرية وإبداعية ومنزلية، لكل منها أثر يتجاوز صاحبها ليصل إلى أسرته ومحيطه.

وذكرت فروانة من بين هذه القصص صياد تعطلت وسيلة رزقه الوحيدة، فكان إصلاحها كفيلًا بإعادته إلى البحر ومعه مصدر دخل مستقر، وشاب يعمل في مجال التعليق الصوتي مكّنه توفير جهاز حاسوب بمواصفات عالية من الارتباط بفرص عمل خارج غزة، في وقت بات فيه العمل عن بُعد متنفسًا أساسيًا للشباب.

كما شمل الدعم شابًا آخر كان يستعد لإطلاق استوديو منزلي، جرى تجهيزه قبل أن يستشهد خلال الحرب، لتبقى تجربته شاهدًا على مشروع لم يُكتب له الاكتمال، وشابّات عملن في مشاريع منزلية مثل صناعة الشمع والتطريز، تحولت مهاراتهن، بعد توفير الأدوات اللازمة، إلى مصادر دخل في بيئة ترتفع فيها معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة.

ما ميّز المشروع، وفق القائمين عليه، أن هذه القصص لم تُقدَّم للجمهور بلغة الاستعطاف، بل بلسان أصحابها أنفسهم، عبر حلقات قصيرة نُشرت خلال شهر رمضان، رافقتها روابط دعم مخصصة لكل حالة. كان صاحب المشروع هو من يروي حكايته، لا ليطلب شفقة، بل ليعرض طموحه وقدرته، مؤكدًا أن ما ينقصه ليس الإرادة بل الإمكانية.

في ظل هذا النهج، تحوّل التبرع من فعل عاطفي إلى مشاركة واعية في تمكين معيل محتمل، فكل مشروع مدعوم لم يكن يستهدف فردًا فحسب، بل أسرة كاملة، في سياق تشير فيه التقديرات إلى أن غالبية الأسر في غزة تعتمد على مصدر دخل واحد أو على المساعدات، وفق ما تؤكده فروانة.

يأتي هذا الدعم في سياق أزمة اقتصادية حادة، حيث بلغ معدل البطالة الإجمالي في غزة حوالي 69% في الربع الرابع من 2024، مع ارتفاع معدل بطالة الشباب (15-29 عاماً) إلى 68.9% في غزة مقارنة بـ27.8% في الضفة الغربية.

 كما انكمش الاقتصاد بنسبة 83% في 2024، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 87% خلال عامين، مما دفع جميع السكان البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة إلى الفقر.

وفقاً لتقارير منظمة العمل الدولية، انخفض الناتج المحلي الإجمالي في فلسطين بنسبة 29% بين الربع الأول من 2023 والربع الأول من 2025، مع تأثير خاص على الشباب الذين يشكلون 74% من المتضررين.

 كما أشارت تقارير الأونروا إلى أن الحرب ستعيد تعليم الأطفال والشباب خمس سنوات إلى الوراء، مما يهدد بجيل مفقود.

ورغم تغيّر البيئة بعد الحرب واتساع دائرة الحاجة، ما زال المشروع يسعى، بحسب الإمكانيات، إلى دعم عدد من المشاريع شهريًا، انطلاقًا من قناعة بأن الاستثمار في القدرات البشرية، حتى في أقسى الظروف، يظل خيارًا أكثر استدامة من الحلول المؤقتة.

في غزة، حيث تُغلق الأبواب تباعًا، يحاول مشروع "بس لو" أن يترك بابًا مواربًا. بابًا لا يعد بالخلاص، لكنه يمنح فرصة. فرصة تقول إن الأداة الصغيرة، حين توضع في اليد المناسبة، قد تكون بداية طريق… بس لو.

المصدر / فلسطين أون لاين