"كنت أطعم طفليّ عندما اقتحمت طائرة كواد كابتر الغرفة وأطلقت النار علينا..."، بهذا تبدأ الغزية الجريحة آيات أبو حلوب، شهادتها عن جريمة الاحتلال بحق أسرتها قرب ما يسمى الخط الأصفر في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة.
على سرير المستشفى، تحمل آيات أوجاعها، وقد باتت بعيدة عن طفليها الذين يحتاجان وجودها إلى جانبهما، بعدما شهدا على جريمة إسرائيلية، كادت أن تودي بحياة أسرة كاملة، كانت تؤوي إلى منزل مدمر بشكل شبه كلي في البلدة.
لكن ما حدث مع آيات ليس سوى حلقة في سلسلة من خروقات إسرائيلية مستمرة، بحق المدنيين الغزيين، خصوصا في المناطق القريبة من الخط الأصفر، ما أسفر عن استشهاد وإصابة المئات منذ سريان اتفاق وقف حرب الإبادة الجماعية في 10 أكتوبر/تشرين الأول.
آيات، التي أصيبت برصاصة في القدم اليسرى وفقدت حاليا القدرة على المشي، تقول لصحيفة "فلسطين"، إنها آوت مع أسرتها إلى مبنى يعود لأقربائها، بعدما دمر الاحتلال منزلها في البلدة.

وتفاجأت آيات بوضع الاحتلال مكعب أصفر على أنقاض منزلها خلال سريان اتفاق وقف حرب الإبادة، رغم أنه كان خارج سيطرة قواته. ووفق شهادتها، فإن ما يسمى الخط الأصفر يتوسع بالقوة العسكرية الاحتلالية على أجساد المدنيين في غزة.
"الخط الأصفر قدموه كثيرًا، كانت هناك مسافة بعيدة بينه وبين السكان والمدارس لكنها باتت خطوات بسيطة"، تواصل حديثها.
تعود إلى لحظة الإصابة: "دخلت طائرة كواد كابتر إسرائيلية من شباك الغرفة، وأطلقت علينا النار مباشرة، وأصبت بقدمي، واستمرت في إطلاق النار على الأولاد الصغار".
وتضيف العشرينية آيات: "سحبتهم، وزحفت حتى وصلت إلى خارج المنزل"، مبينة أنها تولت هذه المهمة، مع معاناة زوجها من إصابة أفقدته عينه، وتستدعي إجراءه عملية زراعة عظام.
ولم يملك زوجها إلا المناداة على المواطنين، الذين حضروا لإسعاف آيات، حيث أوصلوها لمدرسة شادية أبو غزالة بمنطقة الفالوجا، ريثما تمكنت سيارة إسعاف من نقلها إلى مجمع الشفاء الطبي.
وتتابع: كل ما فعلته هو محاولة تدبير لقمة عيش طفليّ، من خلال جمع الحطب وبيعه، لكن طائرة الكواد كابتر ظلت تلاحقني حتى أصابتني.
وتشير إلى أن نيران الاحتلال التي تهدد المدنيين، وتلاحقهم، منعت أصحاب عربات مياه الشرب من الوصول إلى المنطقة، مؤكدة أن الاحتلال لم يوقف إطلاق النار، ويوهم العالم بعكس ذلك.
وسبق أن استشهد والد آيات خلال حرب الإبادة الجماعية، بعدما استهدفته قوات الاحتلال بصاروخ مع زوجها. ولم تعثر السيدة على جثمان أبيها حتى اللحظة.
تواجه آيات اليوم معاناة جديدة مع الإصابة، وقد شخص الأطباء اختراق الرصاصة قدمها اليسرى دخولا وخروجا. تقول: "أشعر وكأن قدمي يعلوها كوم من الردم".
"لمن أتركها؟"
وتعيش العائلات القريبة من الخط الأصفر، أوضاعا أمنية صعبة، بسبب القصف ونسف المباني المستمر.
ويشير مصطلح الخط الأصفر إلى المنطقة التي تراجعت إليها قوات الاحتلال بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الموقَّع في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
ويمتدّ الخط الأصفر على طول قطاع غزة بعمق يتراوح بين كيلومترين و7 كيلومترات، ويبتلع نحو 52% من مساحة القطاع عبر تصنيفها "مناطق قتال خطرة" خاضعة لسيطرة جيش الاحتلال.
وخلف هذا الخط، يتمركز جيش الاحتلال في مناطق تشمل شرق مدينة غزة بأحيائها الشجاعية والتفاح والزيتون، إضافة إلى بلدات شمالية وهي بيت حانون وبيت لاهيا، ومناطق جنوب القطاع في رفح وشرق خان يونس.
والأحد، قالت وزارة الصحة في بيان، إن 420 مواطنا استشهدوا وأصيب 1184 آخرون، من جراء انتهاكات الاحتلال لاتفاق وقف حرب الإبادة الجماعية.
ورغم المخاطر، تؤكد آيات أنها تنتظر لحظة خروجها من المستشفى، للعودة إلى المبنى الذي أصيبت فيه، قائلة: "أنا لا أترك بلدي، لمن أتركها؟ أفضل أن أموت هناك على أن أغادرها".
لكنها تعلم أنها قد تفقد حياتها في أي استهداف إسرائيلي آخر.

