فلسطين أون لاين

العلمانيّة اليعقوبية: نموذج الإقصاء ومعضلة المسلمين في الدولة الحديثة

لا تُفهم العلمانية اليعقوبية بوصفها مجرد صيغة قانونية لتنظيم العلاقة بين الدين والدولة، بل بوصفها نموذجا فلسفيا متكاملا يقوم على افتراضٍ محدّد عن الإنسان والمجتمع والتاريخ. هذا الافتراض يرى أنّ المجال العام لا يستقيم إلا إذا جُرّد من كل مرجعيّة متعالية، وأنّ الدين ـ مهما كانت طبيعته ـ يمثّل خطرًا كامنًا متى تجاوز حدوده الشعائريّة الخاصّة. بهذا المعنى، لا تكون العلمانيّة اليعقوبيّة حيادًا، بل موقفًا معياريًا صارمًا، يحدّد سلفًا ما يُسمح له بالظهور في الفضاء العام، وما يجب إقصاؤه أو تحييده.

وقد نشأ هذا الموقف في سياقٍ أوروبيّ خاص، ارتبط بصراعٍ تاريخي مع الكنيسة بوصفها سلطةً دنيويّة، لا مجرّد مرجعيّة دينيّة. غير أنّ الإشكال يبدأ حين يُنقل هذا النموذج، بشروطه الفلسفيّة والتاريخيّة، إلى مجتمعاتٍ لم تعرف في تاريخها ذلك النوع من الصراع، ولم يكن الدين فيها مؤسسةً كهنوتيّة منفصلة عن المجتمع، بل نسيجًا مكوِّنًا لوعيه الأخلاقي، ولتصوّره عن العدالة والمعنى والنظام.

من تنظيم الدولة إلى إعادة تشكيل الإنسان

التحوّل الجوهري الذي أحدثته العلمانيّة اليعقوبيّة في السياق الإسلامي لم يكن إداريًا بحتًا، بل تحوّلًا أنثروبولوجيًا. فقد لم تعد الدولة مجرّد إطار لتنظيم الشأن العام، بل أصبحت فاعلًا يسعى ـ بوعي أو بدونه ـ إلى إعادة تشكيل الإنسان نفسه: لغته، رموزه، مصادر قيمه، وحدود حضوره في المجال العام.

في هذا الإطار، لم يُنظر إلى الدين كأحد مكوّنات المجال الاجتماعي، بل كعنصرٍ يجب ضبطه، أو تقليصه، أو دفعه تدريجيًا إلى الهامش. وهكذا نشأت مفارقة عميقة: مجتمعاتٌ ذات كثافة دينيّة عالية، تُدار بأنظمة ترى في هذا الدين عنصرًا إشكاليًا يجب تحييده. هذه المفارقة لم تُنتج استقرارًا، بل أفرزت توتّرًا دائمًا بين الدولة والمجتمع، وبين القانون والضمير، وبين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية.

المسلم بين الامتثال والانكفاء

في ظلّ هذا النموذج، وجد المسلم نفسه أمام خيارات محدودة، كلّها إشكاليّة: إمّا الامتثال الكامل لمنطق الدولة، مع تحييد الدين إلى المجال الخاص، وما يستتبعه ذلك من ازدواجية في الوعي والسلوك أو الانكفاء على التدين الفردي، بوصفه مساحة نجاة شخصية لا مشروعًا عامًا أو الدخول في صدامٍ مفتوح مع الدولة، غالبًا دون أدوات فكرية أو سياسية ناضجة. في الحالات الثلاث، لم يُحلّ الإشكال، بل أُعيد إنتاجه بصور مختلفة. فالامتثال أضعف المعنى، والانكفاء عطّل الفعل، والصدام غذّى الاستبداد. وبمرور الوقت، ظهرت نتائج أكثر عمقًا:

- تديّنٌ منفصل عن القيم العامة.

- أخلاقٌ فردية بلا ترجمة مؤسسية.

- قوانين حديثة تفتقر إلى شرعية أخلاقية واسعة.

حدود النموذج اليعقوبي في السياق الإسلامي

تكمن المشكلة الأساسية في العلمانيّة اليعقوبيّة، حين تُطبّق في المجتمعات المسلمة، في أنّها تفترض إمكانية بناء فضاء عام “محايد قيميًا”، بينما الواقع أنّ كل فضاء عام تحكمه، صراحةً أو ضمنًا، منظومة قيم. فالحياد هنا ليس غيابًا للقيم، بل استبدالًا لقيم بأخرى: قيم المنفعة، والفعالية، والانضباط الإداري، محلّ قيم المعنى، والغاية، والعدل بوصفه مفهومًا أخلاقيًا لا إجرائيًا فقط. وحين يُستبعد الدين من الإسهام في تشكيل المجال العام، لا يبقى المجال فارغًا، بل يُملأ تلقائيًا بمرجعيات أخرى، غالبًا غير معلنة، وأحيانًا أقل قابلية للنقد والمساءلة.

نحو تفكيك الإشكال بدل القفز إلى الحلول

لا يمكن الخروج من هذا المأزق عبر حلول جاهزة، ولا عبر استنساخ نماذج بديلة من تجارب أخرى. فالإشكال ليس تقنيًا، بل بنيويًّا، يتعلّق بكيفية فهمنا للدولة، وللدين، وللمجتمع، وللعلاقة بينها.

التمهيد لحلول جذرية يقتضي أولًا:

- تفكيك ثنائية “الديني/العلماني” بوصفها ثنائية صراعية مغلقة

- إعادة التفكير في مفهوم المجال العام، باعتباره مساحة تفاعل القيم لا ساحة إقصائها

- التمييز بين توظيف الدين سياسيًا، وبين حضوره القيمي والأخلاقي في الحياة العامة

كما يقتضي مراجعة دور الدولة نفسها:

- هل هي جهاز ضبطٍ أيديولوجي؟ أم إطارٌ جامع ينظّم التعدديّة وفق الرؤية الإسلامية ؟

سؤال مفتوح لا جواب نهائي

إنّ أزمة المسلمين مع العلمانيّة اليعقوبيّة ليست أزمة نصوص أو شعارات، بل أزمة نموذج إدارة للمعنى في المجتمع. وما لم يُفتح هذا السؤال على نحوٍ جادّ، بعيدًا عن الاستقطاب والردود الانفعالية، ستبقى المجتمعات المسلمة عالقة بين دولة تخشى الدين، ومجتمع لا يرى نفسه ممثَّلًا في دولته. هنا يأتي السؤال الأهم: كيف يمكن بناء دولة حديثة، عادلة، تستوعب الدين بوصفه مصدر قيم ومعنى وأحكام، دون أن تحوّله إلى سلطة قمعية، ودون أن تنزعه من المجال العام؟ هذا سؤال مفتوح، والإجابة عنه ليست قرارًا، بل مسارًا تاريخيًا، لا يبدأ إلا حين نتوقّف عن البحث عن حلول سريعة، ونبدأ بتفكيك الإشكال من جذوره.

المصدر / فلسطين أون لاين