فلسطين أون لاين

وما زال موريس يعظ المخيّم!!

"نَعَقَ بُومُهُم عبر سمّاعات المسجد":

• على الرجال من مخيّم الجلزون فوق الثالثة عشرة الخروج إلى الساحة، كلّ من لا يخرج يعرّض حياته للخطر.

"الساعة الواحدة بعد منتصف الليل عشية انتفاضة الحجارة ١٩٨٧، البرد شديد، السماء منهلّة وتنذر بعاصفة عاتية، والأرض مبتلّة تنتظر المزيد من المطر. نفض عليّ ابن السادس عشر اللحاف عن بدنه وفزّ من نومه، لبس سريعًا معطفه، انتعل حذاءه الرياضي وربط رباطه جيّدًا. اعترضته أمّه، بصوت مرتجف يملؤه الرعب هتفت:"

• لوين، يمّة؟

• للجبل.

• أرجوك، ولدي حبيبي، مثلك مثل الناس، الجبل خطر عليك.

• والانصياع لهم إلى الساحة أيضًا خطر.

• خطر أرحم من خطر، برضاي عليك يا أمّي، مثلك مثل الناس، روح على الساحة.

• حاضر، يمّة، ولا يهمّك، خلّينا مجتمع غنم، يا الله على الزّريبة.

"دلف عليّ من بيته عبر زقاقه الضيّق، ميمّمًا وجهه شطر الساحة. التحق به صديقه ربيع، سأل ربيع:"

• عالجبل والا على الساحة، صديقي؟

• كنت ناويًا على الجبل، وعدت أمّي على الساحة.

• الجبل مخاطرة، والساحة بهدلة ومسح كرامة؛ أمران أحلاهما مرّ.

"تقاطر الناس فرادى وجماعات على ساحة المخيّم، مساحة من الأرض جرداء في منحدر سهل، تعلوه دوريّات الجيش، تضخّ من كشّافاتها ضوء يكاد يخطف الأبصار. جلسوا حيث أدركوا مكانًا، الناس يتهامسون، يلعنون الاحتلال، يرتجفون من البرد، يتدثّرون ما يقيهم شرّه قدر المستطاع. المسنّون يقحقحون، يجرّون ذيول النكبة والخيبة، ويلعنون البرد وسوء الحال. صوت جندي من خلف الكشّافات، بغطرسة، بين الحين والآخر ينعق: "شيكت، يعني اسكت."

يجتمع الناس من كلّ شتات المخيّم وتكتظّ الساحة، وتمضي الدقائق كأنّها ساعات؛ الترقّب والخوف والانتظار تنهش أرواحهم، وتصدّع رؤوسهم، وتزعزع نفوسهم.

ربيع يهمس في أذن عليّ:

• الأرض ناقعة ميّ، القرفصة تكاد تفصل رجلاي عن جسدي.

• رخرخ يا رجل، وريّح على مؤخّرتك.

• والميّ؟

• إنت حرّ، خليك مقرفص.

• شامم اللي أنا شامّه؟

• شكله في ختيار عرّد.

• ولك، فرفر والا عرّد؟

• في روايتان في الموضوع.

• طيّب، وشخّ. هاي ثالثة.

• وإيش تطلع بالفصحى؟

• أعتقد: بوّل.

"هلّ المطر رويدًا رويدًا، بدأ يشتدّ على رؤوس الناس، والجندي هناك خلف الكشّافات ينعق: «شيكت، شيكت."

ابتلّ الناس ونقعوا في المطر كأنهم يسبحون في بركة ماء، هتف أحد الشباب: الله أكبر. ردّدت من خلفه مجموعة، ثم تمدّدت وعلت صيحات الله أكبر من كلّ صوب وحدب. زغرد الرصاص وانهمر بقوّة متلاحقة. سكت الناس، خفتت صيحات الله أكبر، الفجر يقترب، والليل يتململ بغضب.

نعق الجندي باستعراض فجّ:

• وصل نائب الحاكم العسكري، السيّد موريس، سيلقي عليكم كلمة، السمع، السمع.

"من خلف الكشّافات أيضًا، دون أن يرى الجمهور وجهه، بصوت أجشّ يحاول أن يكون وقورًا، نعق:"

• يا أهالي مخيّم الجلزون الكرام.

همس عليّ لربيع:

• هو ظلّ فيها كرام.

• حياتك وتعيش، بكرة بشوفوا.

• هل تعلمون لماذا جمعتكم؟ بدايةً، أنا أعتذر عن هذا المطر، لم يكن بالحسبان. أعتذر بصدق لكبار السنّ والمحترمين في هذا المخيّم العزيز على قلوبنا. نحن وإيّاكم نريد العيش بسلام وأمان. لماذا هناك فتية مخربون يرمون دوريّاتنا بالحجارة؟ هل هذا تصرّف حضاريّ إنسانيّ لمجتمع محترم؟ لا أريد أن أطيل عليكم. امنعوا أولادكم المخربين من إلقاء الحجارة، ولكم منّا السلام والأمان. هم سبب المشاكل، هم سبب هذه البهدلة، هم سبب إخراجكم من نومكم وسط الليل إلى هذه الساحة. الحلّ بسيط، الحلّ بأيديكم. أوقفوا المخربين وامنعوهم من إلقاء الحجارة، تنامون ليلكم الطويل بسعادة وهناء. أرأيتم أين المشكلة، يا أهالي مخيّم الجلزون الكرام؟ أنا أريد حلًّا لمشكلة مجموعة صغيرة من المخيّم تحرمكم من النوم، وتخرجكم من بيوتكم نصف الليل في البرد والمطر. من يقترح منكم حلًّا؟

"وقف المختار": 

• اسمح لي، سعادة نائب الحاكم، سنمنعهم بإذن الله، أعطنا فرصة، لقد ابتلّت ملابسنا ونكاد نموت من البرد.

• أريد أن تعدني، يا مختار، وأن تسلّموني أسماءهم.

• أعدك بأن نمنعهم، كلّ المخيّم يرفض أعمالهم.

تناول ربيع صرارة من تحته ورمى بها اتّجاه المختار، مثله فعل عليّ، وتوالى الصّرار على المختار من كلّ صوب وحدب. تابع نائب الحاكم:

• سأعطيكم فرصة، ولكن إن عاد المخربون لإلقاء الحجارة سنجتمع هنا ثانية، وستسمعون قرارات صعبة وقاسية.

انكفأت الدوريّات إلى الخلف معلنة الانسحاب. هرول الناس إلى بيوتهم كأنّهم حُمرٌ مستنفرة فرّت من قسورة.

انقسم الناس فريقين: فريق ينشد الأمان والسلام مع الاحتلال، وفريق يصرّ على رفضه ورميه بالجمرات الثلاث.

عليّ وربيع قرّرا أن ينضمّا إلى السواعد الرامية بعد هذا اليوم، وقرّرا ألّا يأتيا إلى هذه المحاضرة مرّة ثانية؛ هناك، يعتليان الجبل مهما كانت المخاطرة ومهما كان الثمن.

المصدر / فلسطين أون لاين