"على غير العادة، تأخّرتُ في الكتابة.. كنتُ دائمًا حاضرة وسبّاقة في الحروب السابقة، أكتب فورًا وألتقط اللحظة وهي ساخنة. لكن هذه الحرب كانت أثقل من اللغة في بدايتها. انقطاع الإنترنت، وقسوة الظروف الإنسانية، وتراكم الصدمة، جعلت القصائد تتراكم داخلي قبل أن تُكتب على الورق"، بهذه الكلمات استهلّت سمية وادي حديثها عن كتابها الذي أصدرته مؤخرًا بعنوان "قصائد ناجية من الخوارزمية".
وادي شاعرة فلسطينية، ومعلمة، وباحثة في الأدب والنقد، ولاجئة في مدينة خانيونس. حاصلة على درجة الدكتوراه في الأدب والنقد، وتنتمي – كما تقول – إلى أرضٍ علّمتها أن الكلمة ضرورة نجاة. وقد كتبت خلال الحرب ديوانين شعريين: "وجوه للأقنعة" و**"قصائد ناجية من الخوارزمية"**.
وتقول لصحيفة "فلسطين": "هذا الكتاب ديوان شعري خرج من قلب الحرب لا من هامشها، وهو حصيلة تجربة إنسانية قاسية، كُتبت تحت النار، وفي الخيام، وعلى طرق النزوح. ديوان يوثّق ما عشتُه، لا كما أرادوا له أن يُروى، بل كما عشنا تفاصيله الصغيرة: الخوف، والجوع، والفقد، وانتظار النجاة، والأمل المختبئ في تلافيف الوجع".
وبدأت الكتابة فعليًا خلال فترات النزوح، حين صارت القصيدة المكان الوحيد الممكن، وحين لم تعد تحتمل الصمت حتى تفجّر المعنى دفعةً واحدة.
وتكتب وادي وهي تحمل بيتها على ظهرها، تكتب والسماء منخفضة أكثر من اللازم، والأرض ضيّقة حدّ الاختناق. تقول: "لم تمنعني الحرب من الكتابة، لكنها جرّدت الكتابة من زينتها. فكتبتُ في الخوف، وفي الانتظار، وفي لحظات انعدام اليقين. أهدّئ روع صغاري، وأبحث لهم عن الطعام والمكان الآمن. كتبتُ وأنا أبكي وأرتجف، وأختلي مع المأساة والذاكرة"، وفق حديثها.
وتوضح أن "قصائد ناجية من الخوارزمية" هو خلاصة تجربتها الإنسانية، أو معظمها، ويجمع بين الآدمية العارية والانتماء العميق للأرض. فهو ديوان يشتبك مع الإنسان الفلسطيني بوصفه كائنًا يحاول أن يبقى، لا رمزًا مجرّدًا. كما تنبع أفكاره من التجربة الحيّة: كيف نحب تحت القصف؟ كيف نخاف؟ كيف نشتاق؟ وكيف نتمسّك بأملٍ هشّ لكنه عنيد؟
ويهدف الكتاب إلى حفظ الأثر، وإلى القول إن ما عاشته لم يكن عابرًا. وتدور موضوعاته حول الفقد، والأمل، والاشتياق، والجوع، والنزوح، وتفاصيل صغيرة التُقطت من بين الركام. وتقول: "هذه القصائد محاولة لإعادة روح ابن غزة إلى مركز الحكاية، بعيدًا عن الأرقام والعناوين العريضة".
ويقع الديوان في نحو 120 صفحة، ويضم قرابة 20 قصيدة، متنوّعة في أفكارها وتجاربها، لكنها تلتقي جميعًا عند تجربة الحرب وما خلّفته في الروح والجسد.
وجاء العنوان من وعيٍ حادّ بأزمة المحتوى الفلسطيني، خاصة في الفضاء الرقمي، حيث لم يعد مسموحًا للفلسطيني أن يروي وجعه كما هو. وتضيف وادي: "كما أن القصائد نفسها خاضت حروبًا كي تُكتب، تمامًا كما خاضت الأجساد حروبها كي تبقى. فكما نجت بعض الأجساد من النار، نجت هنا بعض القصائد من حرب الخوارزمية التي وقفت ضد ألمنا وحاصرته".
وتشير إلى محاولاتها تجاوز الصعوبات التي واجهتها خلال النزوح، وفقدان الأمان، والانقطاع، والجوع، والخوف اليومي من الفقد، والقلق على أبنائها وعائلتها من الجوع والبرد. وتقول: "عشتُ ثِقل المسؤولية الأخلاقية للكلمة، وكيف يمكن للقصيدة أن تكون شاهدًا دون أن تخون الألم. فالتحدّي الأكبر كان أن أكتب دون أن أجمّل المأساة، ودون أن أفقد إنسانيتي".
وتطمح وادي إلى أن تبقى الكلمة مشتعلة، فبرغم كل الخذلان، كان أهم ما يريده الفلسطيني وهو يموت أن يقول كلمته، ولو كانت الأخيرة. وتأمل أن تصل هذه القصائد بوصفها شهادة حياة، وأن يظلّ الشعر الفلسطيني قادرًا على الوقوف مهما اشتدّ الوجع.