في خطوة وُصفت بالخطيرة وغير المسبوقة، قرر وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس سحب صلاحيات التخطيط والبناء المتعلقة بمشروع "سقف صحن الحرم الإبراهيمي" من بلدية الخليل، وتسليمها للإدارة المدنية التابعة للاحتلال، في إجراء اعتبره فلسطينيون حلقة جديدة في مسلسل التهويد والسيطرة التدريجية على أحد أقدس المواقع الدينية والتاريخية في فلسطين والعالم.
وبحسب ما أوردته القناة 14 الإسرائيلية، فإن القرار يهدف إلى تجريد بلدية الخليل من أي صلاحيات داخل المسجد الإبراهيمي، تمهيداً للبدء بمشروع وضع أسقف جديدة في صحن الحرم، ضمن ما وصفته القناة بخطة "تنظيمية"، بينما تؤكد الجهات الفلسطينية أن المشروع يندرج بوضوح في إطار خطة تهويدية تستهدف تغيير معالم المسجد وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وقد صادق "المجلس الأعلى للتخطيط والبناء" التابع للإدارة المدنية على الشروع بإجراءات الحصول على التراخيص اللازمة، في حين رحّب رئيس مجلس مستوطنة “كريات أربع"، يسرائيل برمسون، بالقرار معتبراً أنه تتويج لجهود استمرت سنوات لسحب الصلاحيات الدينية والإدارية من بلدية الخليل.
في المقابل، عبّرت بلدية الخليل عن رفضها القاطع لهذه الخطوة، واعتبرتها انتهاكاً خطيراً وغير قانوني يمسّ بشكل مباشر الوضع القائم في المسجد الإبراهيمي، وصلاحيات الجهات الفلسطينية المخولة قانوناً بإدارته.
وأكدت البلدية أن هذه القرارات تتعارض مع قرار منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونيسكو" الذي صنّف المسجد الإبراهيمي والبلدة القديمة في الخليل كموقع تراث عالمي مهدد بالخطر، مشددة على أنها، وبالشراكة مع وزارة الأوقاف ووزارة السياحة والآثار ولجنة إعمار الخليل، ستواصل اتخاذ كل الخطوات القانونية لمنع أي تغيير غير قانوني وغير قابل للتراجع في معالم وإدارة المسجد.
وفي السياق القانوني، أكد المحاميان سامر شحادة وعلاء محاجنة، مقدّما الالتماس إلى المحكمة الإسرائيلية العليا، أن جميع القرارات الصادرة بحق المسجد الإبراهيمي، بما فيها المصادقة على رخصة البناء وأوامر المصادرة، صدرت بانعدام الصلاحية القانونية. وأوضحا أن هذه القرارات تمسّ "قلب الموقع" المتمثل في الساحة الداخلية (صحن الحرم).
تهويد ممنهج
إلى ذلك، أكد مدير الحرم الابراهيمي معتز أبو اسنينة رفضه إجراءات الاحتلال بسحب الصلاحيات المتعلقة بمشروع "سقف صحن الحرم"، معتبراً إياها "اعتداءً سافراً على صلاحيات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية التي تمتلك كافة الصلاحيات الكاملة بالحرم.
وشدد أبو اسنينة لـ "فلسطين أون لاين" على أن الاحتلال يسعى لتهويد الحرم كاملاً، عبر هذه القرارات وصحب الصلاحيات من الأوقاف، وهذا ضرب لمكانة الحرم التاريخية والدينية". وقال إن "الوزارة لها الاحقية الكاملة في اعمال الترميم والإصلاح وكل ما يتعلق بالحرم، ولا نقبل المساس بهذا الأمر".
وأوضح أن انتهاكات الاحتلال ارتفعت وتيرتها بعد السابع من أكتوبر 2023، وهو استكمال لمسلسل التهويد الممتد منذ عام 1967، مروراً بالمجزرة التي وقعت في عام 1994، مشدداً على أن "هناك خطورة كبيرة واعتداءات غير مسبوقة يتعرض لها الحرم".
ووفق أبو اسنينة، فهناك تدخلات سابقة للاحتلال في صلاحيات البلدية تمثلت في البناء والكهرباء، بزعم "الإجراءات التنظيمية"، وهو لا يملك الحق في ذلك، واصفاً الإجراءات الإسرائيلية بأنها "ضرب بعرض الحائط لكل القرارات الدولية التي وضعت الحرم على قائمة التراث العالمي".
من جانبه، أوضح مهند الجعبري، مدير عام لجنة إعمار الخليل، أن موضوع السقف يخدم بالأساس مجموعة من المستوطنين الذين يسيطر الاحتلال على نحو 60% من المسجد الإبراهيمي.
وأكد الجعبري لـ "فلسطين أون لاين"، أن الاحتلال منذ مجزرة الحرم الإبراهيمي، يسعى بشكل ممنهج إلى تغيير معالم الجزء المغتصب من المسجد، مشيراً إلى أن سحب الصلاحيات من بلدية الخليل يهدف إلى تسهيل تمرير هذه المشاريع أمام القضاء الإسرائيلي، الذي وصفه بـ"الظالم وغير العادل" والمنحاز دائماً للمستوطنين.
وبيّن الجعبري أن صحن الحرم بات مستهدفاً بذريعة أنه "يُزعج" المستوطنين أثناء صلاتهم، معتبراً أن هذه الحجج تهدف إلى تغيير معالم الحرم التاريخية، تماماً كما حدث في تجارب سابقة، مثل أعمال الحفر وإنشاء المصعد الكهربائي، التي غُلفت بذريعة خدمة ذوي الاحتياجات الخاصة، لكنها أدت عملياً إلى تشويه المعالم الأصلية للموقع.
وأكد الجعبري أن ما يجري هو جزء من مشروع تهويدي أوسع، تصاعدت حدّته بشكل ملحوظ بعد السابع من أكتوبر، مع تسارع الهجمة الاستيطانية في الخليل، بما في ذلك إصدار قرارات ببناء 63 وحدة استيطانية في منطقة الحسبة التابعة لبلدية الخليل، في تعدٍّ واضح على أملاك البلدية.
وعلى الصعيد الفلسطيني، شدد الجعبري على أن أحد أهم أشكال المواجهة يتمثل في تكثيف التواجد والصلاة في المسجد الإبراهيمي، للتأكيد على هويته الإسلامية، في ظل القيود المشددة التي يفرضها الاحتلال، حيث لا يُسمح للفلسطينيين إلا بالوصول إلى نحو 40% من المسجد، وسط إجراءات تفتيش دقيقة، واعتقالات متكررة، وقمع لأي وقفات أو مسيرات احتجاجية.
يأتي هذا القرار في سياق أوسع من محاولات فرض السيطرة الكاملة على المسجد الإبراهيمي، وتغيير طابعه التاريخي والديني، وسط تحذيرات فلسطينية من أن أي مساس بصحن الحرم أو معالمه يشكل اعتداءً خطيراً على التراث الإنساني، ويفتح الباب أمام واقع جديد يصعب التراجع عنه، في حال لم يُواجَه بموقف قانوني وشعبي ودولي حازم.
وعقب المجزرة التي وقعت عام 1994، فرض الاحتلال واقعاً جديداً داخل الحرم، تمثل بتقسيمه زمانياً ومكانياً، حيث خُصص نحو 60% من مساحته للمستوطنين، مقابل 40% فقط للمصلين المسلمين، مع إخضاع الدخول إليه لإجراءات تفتيش صارمة وحواجز عسكرية، وإغلاقه في مناسبات دينية يهودية أمام المسلمين.