لم يعد “أبو عبيدة”، الناطق باسم كتائب القسام، مجرد صوتٍ عسكري يخرج من بين الركام ليعلن خسائر الاحتلال، بل تحوّل إلى إحدى أبرز أدوات “القوة الناعمة” في الصراع العربي–الإسرائيلي، ورقمٍ صعب في معادلة الحرب النفسية التي أربكت حسابات المنظومة الأمنية الإسرائيلية على مدار عقدين من الزمن.
وفي قراءته لسرّ تأثير هذه الشخصية، يرى المحلل العسكري اللواء فايز الدويري أن قوة “الملثّم” استمدّت زخمها من “التطابق الرقمي” بين القول والفعل.
وأوضح الدويري، في تصريحات إعلامية، أن ما ميّز خطاباته ابتعادها عن الإنشائية واعتمادها على الحقائق الميدانية الموثّقة بالصوت والصورة، ما خلق فجوة ثقة عميقة بين الجمهور الإسرائيلي ومتحدثه الرسمي.
وأشار الدويري إلى أن ظهور الناطق الجديد بالهيئة ذاتها، من اللثام إلى لغة الجسد، يبعث برسالة واضحة مفادها أن “أبو عبيدة” بات واجهة لمؤسسة لا لشخص، مؤكداً أن النظام الذي أنجب القادة الشهداء قادر على إنتاج قادة جدد، وأن استشهاد القادة لا يعني تعطّل المنظومة أو توقفها.
من جانبه، قدّم الكاتب والمحلل السياسي محمد مصطفى شاهين، في تصريحات خاصة لـ“فلسطين”، قراءة استراتيجية في دلالات غياب “الملثّم”، مؤكداً أن أثر القادة في عالم الصراعات السرية لا يُقاس بحضورهم فحسب، بل بكيفية إدارة غيابهم أيضاً.
واعتبر شاهين أن تأخير نعي “أبو عبيدة” لعدة أشهر عقب الغارة الإسرائيلية في أغسطس الماضي، لم يكن مجرد إجراء إعلامي، بل “عملية استخباراتية مدروسة” هدفت إلى حرمان الاحتلال من “الانتصار النفسي” السريع، وإغراقه في غموض التكهنات، ما أتاح للمقاومة إعادة ترتيب أوراقها القيادية والإعلامية بهدوء وبعيداً عن ضغوط الحدث.
وحول الكشف عن هويته الحقيقية (حذيفة الكحلوت) في هذا التوقيت، وصف شاهين الخطوة بأنها “تحرك استراتيجي يعكس نهاية مرحلة السرية وبداية مرحلة الرمز الملهم، الذي يغذّي الذاكرة الجمعية للأجيال”.
وشدّد شاهين، في حديثه لصحيفة “فلسطين”، على أن غياب “أبو عبيدة”، رغم ثقله الرمزي، لا يعني انهياراً في الروح المعنوية، فالمقاومة تيار متجذّر يتجاوز الأشخاص، وما وراثة اللقب والرسالة والأسلوب من قبل ناطق جديد إلا دليل على أن القضية أكبر من “وجهٍ ملثّم”.
ولم يتوقف تأثير “أبو عبيدة” عند حدود الميدان العسكري، بل تجاوزه ليغدو ظاهرة اجتماعية ورقمية اجتاحت العواصم العربية والعالمية؛ إذ تحوّل “الملثّم” إلى أيقونة للصمود، تتزيّن بها الأجيال الناشئة في الوشاح والكوفية، وتتصدر صوره منصات التواصل الاجتماعي بمختلف اللغات. هذا الالتفاف الجماهيري حوّل خطاباته من مجرد “بلاغات عسكرية” إلى حدثٍ ينتظره الملايين، ما عمّق مأزق الاحتلال، الذي وجد نفسه لا يواجه مقاتلاً في غزة فحسب، بل يواجه “سردية” فلسطينية بلغت أبعد نقاط الأرض، متجاوزة محاولات الحجب والرقابة.
ويختتم شاهين تصريحه بالتأكيد على أن الرموز قد ترحل في الميدان، لكن “الرمزية” تبقى حيّة تعيد إنتاج نفسها، قائلاً: “استشهاد أبو عبيدة يرسّخ حقيقة مفادها أن المقاومة مؤسسة لا تتوقف على فرد، وأن الرمز فيها يتجدد دون أن يفقد بريقه، لتظل الكلمة سلاحاً مشرعاً في وجه الاحتلال كما كانت دائماً”.
وكانت كتائب القسام قد أعلنت استشهاد أبو عبيدة، كاشفةً اسمه الحقيقي حذيفة سمير عبد الله الكحلوت، وكنيته “أبو إبراهيم”، مؤكدة أنه شغل منصب قائد إعلام القسام، وكان صوتها الأبرز خلال الحرب.