لمعان المياه من بعيد، الذي يعكس في أسفلها صور البيوت المائية، وانتشار الأعشاب الخضراء حول جميع أطرافها، لا يخفي شيئًا من الصورة الحقيقية لحظة الاقتراب من بركة الشيخ رضوان، وبدء استنشاق الروائح الكريهة الناجمة عن مياه الصرف التي تملأ البركة، ولا الخطر الشديد مع اقتراب ارتفاع منسوب المياه من حاجز العلامة الحمراء على مؤشر القياس الموجود في منتصفها، الأمر الذي يجعل فيضانها احتمالًا واردًا.
بقلقٍ، يراقب أهالي المنازل المحاذية لبركة "الشيخ رضوان" بمدينة غزة ارتفاع منسوب المياه العادمة التي تملأ حوض البركة على نحوٍ خطير وكارثي، والكثير منهم يمارس حياته دون إدراك لحجم الخطر المحدق بهم، في حال تأثر القطاع بمنخفض جوي جديد مع عدم تصريف المياه العادمة التي تملأ البركة.
خطر كبير
على الجهة الجنوبية للبركة، كان ناهض جود اليازجي يحتمي داخل حُوشٍ أسفل منزله من مياه الأمطار التي تساقطت قبل أيام على قطاع غزة، ويشعل موقد النار فيما يتجمع حوله بعض الشبان. يراقب ارتفاع منسوب مياه البركة بقلق شديد بدا واضحًا على حديثه لـ "فلسطين أون لاين"، واصفًا الوضع بـ "الخطير الذي يسبق الكارثة".
ويقول: "تحولت البركة نتيجة الحرب وتدمير شبكات الصرف الصحي إلى مكان لتجميع المياه العادمة، وأصبحت مصدر خطر شديد على حياتنا لعدم تصريف المياه، فضلًا عن الروائح الكريهة والبعوض، لدرجة أننا لا نستطيع التنفس من الاختناق".
ويخشى اليازجي تكرار فيضان البركة وغمر مناطق شاسعة من المناطق المحيطة بها، علمًا بأن الفيضان السابق كان لمياه أمطار، وليس لمياه عادمة، مما يزيد حجم الكارثة في حال وقوعها. ويضيف بقلق: "حدوث فيضان مياه عادمة أمر لا يمكن تخيله، لأن تداعياته على الصحة والحياة خطيرة جدًا، لم نتوقع أن نموت غرقًا بالمياه العادمة".
وإضافة إلى المياه العادمة، تطفو كميات كبيرة من القمامة على سطح البركة من الجهة الجنوبية، وبمحاذاتها تنتشر العديد من خيام إيواء النازحين الذين فقدوا منازلهم.
كان عادل أبو وطفة يحاول نصب خيمة في الجهة الغربية، على مقربة من السياج، دون إدراك لحجم الخطر المحيط به، لكن غياب البدائل يدفعه للخيار "المُر" بعد تدمير منزله.
ويقول لـ"فلسطين أون لاين": "نلاحظ ارتفاع منسوب المياه بشكل كبير، نظرًا لغياب الضخ والتصريف، وأصبحنا نخشى بشكل حقيقي أن تغرق الخيام والمنازل المحاذية لها، ويحدث معنا ما حدث قبل عشر سنوات حينما غمرت مياه البركة المنطقة"، مناشدًا البلديات والمنظمات الدولية بالتدخل العاجل لإنقاذ المنطقة من كارثة وشيكة.
وإضافة إلى مأساة غرق المنطقة بمياه الصرف الصحي، تعرض سور البركة للتدمير، ما يجعلها مكانًا خطيرًا على الأطفال الذين يمرون بجوارها، لاحتمالية السقوط فيها.
على الجهة الشرقية من البركة، حيث يُلاحظ ارتفاع منسوبها من السطح بشكل أكبر مقارنةً بالجهات الأخرى، إضافة إلى قرب المسافة بين البركة ومنازل المواطنين، يعيش أنور مقاط في قلق كبير.
يجلس مقاط على بسطة لبيع المواد الغذائية أمام منزله، وبمجرد الوقوف أمامه لبضع دقائق، تصيب الزبائن أو المارة رائحة كريهة شديدة تجبرهم على إغلاق أنوفهم، بينما هو مجبرٌ على استنشاقها يوميًا.
ويقول لـ"فلسطين أون لاين" بنظرات ونبرة مليئة بالقلق: "قبل المنخفض الأخير، كان المنسوب يصل إلى المنتصف، لكن بعده لاحظنا ارتفاعه بشكل كبير، ما يعني وجود إمكانية حقيقية لغرق المنطقة".
ويستذكر مقاط ما حدث في المنطقة قبل عشر سنوات، حيث تمكن حينها من النجاة عندما اقتربت المياه من منزله. أما في حال غرق المنطقة بالمياه العادمة، فإنه يرى أن نسبة النجاة محدودة جدًا.
تحولت مياه البركة الراكدة إلى بؤرة لانتشار البعوض الذي يغزو المنازل السكنية بشكل مستمر. وقبل حلول المساء، يقوم محمود اليازجي بما يصفه بـ"وردية يومية" تمتد لمدة ساعة، يقتل خلالها البعوض الذي يغزو سقف منزله، وأحيانًا يشعل مادة قاتلة للحشرات، لكن الاستخدام المتكرر لها جعل تأثيرها محدودًا.
فيما يغلق اليازجي أنفه وهو يقف قرب بوابة البركة من الجهة الشرقية، يعبر لـ"فلسطين" عن خشيته من فيضان وشيك، ويقول وهو يستدير للخلف بينما حرر يديه من أنفه: "هذا المستوى بالنسبة لنا خطير جدًا، فلو جاء منخفض آخر مع عدم وجود تصريف للمياه، فهذا يعني أننا سنكون أمام كارثة كبيرة تهدد حياة الآلاف الذين يعيشون هنا. فالمأساة لا تقتصر على الأمراض والبعوض والرائحة، بل تتعلق بحياة كل السكان هنا، الذين سيكونون في خطر شديد".
تصريف عاجل
منذ شهرين، لا تستطيع بلدية غزة تصريف مياه البركة الراكدة بسبب تضرر الخطوط الناقلة، وأزمة الكهرباء، وعدم توفر الوقود. وبسبب تدمير الاحتلال للبنية التحتية، وخطوط الصرف الصحي، ومحطات المعالجة المركزية بالمدينة، تحولت البركة من مكان لتجميع مياه الأمطار إلى بركة لتجميع مياه الصرف الصحي.
وصل منسوب المياه فيها إلى مستويات خطيرة، إذ بلغ ارتفاعها نحو 7 أمتار و60 سنتيمترًا، مما يشكل تهديدًا كبيرًا. وتحاول طواقم البلدية تخفيض منسوبها عبر تقليل المياه الواردة، حتى لا يؤدي ارتفاع المنسوب إلى فيضان مشابه لما حدث قبل عشر سنوات.
وبحسب مدير عام التخطيط ومياه الصرف الصحي في بلدية غزة، المهندس ماهر سالم، فإن بركة الشيخ رضوان تحتوي على 470 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي غير المعالجة، مما يؤثر على الخزان الجوفي وينشر الروائح الكريهة والأمراض.
وأشار سالم إلى أن مياه البركة راكدة منذ شهرين، بعدما كانت البلدية تفرغها أولًا بأول دون معالجة نحو البحر، إلى أن حدث خلل في الخطوط الناقلة، ما أدى إلى طفحها باتجاه مراكز الإيواء الواقعة بمنطقة "الأمن العام" شمال غربي المدينة، ومنازل الأهالي هناك، مما أجبر البلدية على وقف الضخ والعمل على إصلاح الخلل.
وعن خطر فيضان بركة الشيخ رضوان، يؤكد سالم لـ"فلسطين" أن طواقم البلدية تعمل منذ أربعة أيام، ليلًا ونهارًا، بشكل متواصل على إجراء صيانة مؤقتة لخط التصريف، حتى تتمكن من ضخ المياه نحو البحر.
لكن المشكلة التي يشير إليها سالم، أن البركة تستقبل 30 ألف متر مكعب من المياه العادمة يوميًا، مما يجعل فيضانها تجاه الشوارع المحيطة ومنازل المواطنين أمرًا واردًا، في حال هطول أمطار غزيرة مجددًا، مما يهدد بتكرار الكارثة التي حدثت قبل عشر سنوات.