فلسطين أون لاين

تقرير بعد 470 يومًا من الإبادة.. كيف هزمت غزة التفوق العسكري الإسرائيلي؟

...
غزة - محمد الأيوبي

بعد 470 يومًا من الإبادة الجماعية، ورغم الدمار والخسائر الفادحة التي تكبدها قطاع غزة، يرى باحثون وخبراء عرب أن المقاومة الفلسطينية حققت انتصارًا تاريخيًا، وألحقت هزيمة غير مسبوقة بجيش الاحتلال الإسرائيلي، بفضل صمودها الأسطوري الذي قلب موازين المعركة وأثبت أن القوة العسكرية لا يمكنها أن تهزم إرادة الشعوب.

تمكنت المقاومة الفلسطينية من إدارة المعركة بفاعلية كبيرة على مدار 15 شهرًا من القتال، وفقًا لرأي الباحثين والخبراء، مما جعل أهداف الاحتلال غير قابلة للتحقيق رغم التفوق العسكري الذي تتمتع به إسرائيل. وأرغم ذلك رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، الذي تعهد بالقضاء على حركة حماس، على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار.

انتصار استراتيجي

الباحث في الشأن العسكري بالمعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمود جمال، قال إن ما جرى في غزة يُعد انتصارًا استراتيجيًا للمقاومة، رغم محاولات البعض التقليل من شأن ما تحقق. وأكد أن المقاومة استطاعت الصمود في وجه إسرائيل وإفشال أهدافها العسكرية والسياسية، مما يشكل نموذجًا ملهمًا في مواجهة الاستبداد والاحتلال.

وأوضح جمال، في تغريدات عبر منصة "إكس"، أن حماس كانت الطرف الذي قاد المفاوضات من البداية وحتى النهاية، مشيرًا إلى أن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو كان قد تعهد بالقضاء على حماس خلال الحرب، إلا أن الأخيرة ظلت صامدة ولم تُلقِ السلاح، وأجبرت إسرائيل على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار.

ورغم الفارق الكبير في الإمكانيات بين الطرفين، أشار جمال إلى أن المقاومة أدارت المعركة بكفاءة عالية، وكبدت الجيش الإسرائيلي خسائر فادحة عبر تنفيذ كمائن محكمة وعمليات نوعية. وشدد على أن العدو الإسرائيلي لم يتمكن من تحقيق أي من أهدافه الرئيسية المعلنة، وهي القضاء على المقاومة، واستعادة الأسرى بالقوة، والسيطرة على قطاع غزة بشكل كامل.

وبين أن الهدف الاستراتيجي لأي حرب هو فرض الإرادة على الخصم، وهو ما حققته المقاومة، مؤكدًا أن المعركة أثبتت قدرة المقاومة على المناورة والصمود رغم طول مدة الحرب.

وانتقد جمال الأصوات التي وصفها بـ"الغوغائية والمزيفة"، والتي تحاول التقليل من إنجازات المقاومة، مؤكدًا أن هذه الأصوات تتجاهل حقيقة أن صمود غزة يمثل مصدر إلهام للشعوب المظلومة، ويقلق الطغاة والمحتلين.

محور الاهتمام

أما الكاتب والمحلل السياسي، ياسر الزعاترة، فقال إن "طوفان الأقصى" حقق نصرًا سيخلده التاريخ في سجل الكرامة والبطولة، مشيرًا إلى أن بعض الأصوات ستتباكى على الضحايا دون صدق، لأنهم خذلوا غزة ولم ينصروها في لحظة الحاجة.

وأوضح الزعاترة في تغريداته أن "الطوفان" جعل فلسطين محور الاهتمام العالمي، وأسقط هيبة الاحتلال الذي كان مدعومًا من كبرى الدول، لينتقل من ادعاء "النصر المطلق" إلى خضوع أمام صمود المقاومة. وأشار إلى أن المعركة أظهرت بطولات أسطورية لشعب واجه قوة عسكرية كبرى وأذهل العالم بصبره وثباته.

وأكد أن المواجهة لم تكن فقط ضد الاحتلال، بل أيضًا ضد من وصفهم بـ"الصغار"، الذين تغلب عليهم العصبية الحزبية وكره حركة حماس على حساب كراهية الاحتلال، إضافة إلى المتواطئين والمتصهينين الذين يرفضون أن تسعى الأمة لنيل حقوقها وحريتها.

وأكد الزعاترة أن "طوفان الأقصى" لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل ملحمة أعادت كرامة الأمة ورفعت راية الحرية، مشيدًا بالشعب الفلسطيني الذي شكل الحاضنة الشعبية للمقاومة ومنحها الدعم اللازم للاستمرار.

ثمن الحرية

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، د. عصام عبد الشافي، أكد أن تحرير الشعوب والأمم لم يكن يومًا دون تضحيات ودماء، مشددًا على أن الحرية والكرامة والعزة لها ثمنها الذي يدفعه الأحرار بصدورهم العارية في مواجهة قوى الظلم والاستبدال.

وأشار عبد الشافي إلى أن غزة قدمت ثمنًا فادحًا، ليس فقط دفاعًا عن أهلها، ولكن عن شرف وكرامة وعزة الأمة الإسلامية بأسرها. وأوضح أن المواجهة في غزة لم تكن مع إسرائيل وحدها، بل كانت ضد تحالف دولي يضم أمريكا بكل ترسانتها، وألمانيا بنزعتها العسكرية، وفرنسا بسياساتها التاريخية، بالإضافة إلى الأنظمة العربية المتواطئة.

وأضاف: "لكل من يشكك في انتصار غزة وما حققته، فليراجع عقيدته وكرامته وحريته، إذا كان لهم عقيدة أو كرامة أو حرية".

من جابه، قال الباحث والكاتب المصري، سامح عسكر، إن إعلان المقاومة انتصارها على إسرائيل، رغم الخسائر المادية الكبيرة، يعكس طبيعة الصراع بين الشعوب المكافحة ضد الاحتلال وقوة محتلة. وأوضح أن مفهوم الانتصار في سياق المقاومة لا يقاس بحجم الدمار أو عدد الضحايا، بل بعوامل أخرى مثل تحقيق الأهداف الاستراتيجية والصمود في وجه العدو.

وأشار عسكر في تغريدة إلى أن الشعوب الواقعة تحت الاحتلال لا تسعى فقط لكسب الأرض أو تدمير المحتل، بل تنظر إلى صمودها ودوام نشاطها المقاوم باعتباره وفاءً للأرض ورفعًا للظلم. وأكد أن ثقافة المقاومة تستمد شرعيتها من فكرتين أساسيتين هما "الحق الضائع" و"رفع الظلم"، وهما المحركان لأي مقاومة في العالم.

وانتقد بعض الأصوات التي تسلط نقدها على الضحية بدلًا من الاحتلال، داعيًا هؤلاء إلى تفهم معايير المقاومة المختلفة عن معاييرهم الشخصية، ومشدّدًا على أن إعلان الانتصار الفلسطيني ليس موجهًا ضد أحد، بل هو تعبير عن صمودهم ونجاحهم في معركة تخصهم.

إرادة الصمود

الباحث السياسي، سعيد زياد، قال إن الشعب الفلسطيني لم يخض حرب غزة الأخيرة من أجل النجاة فقط، بل اختار الصمود والمقاومة رغم الظروف القاسية. وأشار إلى أن الفلسطينيين كان بإمكانهم القبول بالتهجير وترك مدنهم وقراهم منذ الضربة الأولى، لكنهم أصروا على البقاء، حتى في المناطق الأكثر استهدافًا مثل جباليا وبيت حانون.

وأضاف زياد في منشور له، أن يوم "طوفان الأقصى" كان بمثابة إعصار شعبي اقتنص فرصة كسر إرادة الاحتلال، وقاتل فيه الفلسطينيون بكل ما يملكون، من السكين إلى الحزام الناسف، في معركة أثبتوا فيها أنهم لن ينكسروا أمام (إسرائيل).

وأوضح أن هذا الإصرار والصمود هو ما منح الفلسطينيين النجاح في هذه المعركة، حيث تمكنوا من كسر إرادة عدوهم وفرض شروطهم، مشددًا على أن هذه الروح لا يمكن أن يفهمها أولئك الذين يحملون عقلية الهزيمة، أو من استسلموا للواقع المفروض عليهم.

الصحفي التونسي زين العابدين توفيق أشار إلى أن المشهد الذي يظهر فيه طفل فلسطيني يجلس على أنقاض منزله، بعد خروجه من المستشفى، دليل على أن الفلسطينيين لم ينكسروا رغم التضحيات الجسيمة.

وتساءل توفيق عبر حسابه عن البدائل المتاحة أمام الفلسطينيين غير المقاومة ودفع الأثمان الباهظة، مشيرًا إلى أن التاريخ لم يشهد حالة تمكن فيها شعب من تحقيق حريته عبر مهادنة الاحتلال.

وأضاف أن المقاومة ليست خيارًا وإنما رد فعل طبيعي على الاحتلال، مشددًا على أن "طوفان الأقصى" حقق هدفها منذ اللحظة الأولى، باعتراف الرئيس الأمريكي جو بايدن، عبر إيقاف مسار التطبيع وصفقة تصفية القضية الفلسطينية.

المصدر / فلسطين أون لاين