في وقت يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، تمارس السلطة في رام الله لعبة الخيانة الكبرى بحق أبناء شعبها في الضفة الغربية المحتلة، عبر شنها عملية أمنية تحمل اسم "حماية وطن" في جنين، أدت إلى مقتل 6 مواطنين، بينهم مقاومون مطاردون للاحتلال وأطفال.
هذه العملية التي بدأتها أجهزة السلطة منذ ثلاثة أسابيع، وفق مراقبون، لا تعدو سوى أن تكون تنفيذًا لإملاءات الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة، وتستهدف تفكيك المقاومة في مخيم جنين، والتي فشلت قوات الاحتلال في القضاء عليها على مدار السنوات الأخيرة، ما يجعلها مجرد وكيل أمني ينفذ ما يخدم الاحتلال، عوضًا عن أن تكون حامية لحقوق الشعب الفلسطيني.
السلطة التي تروج لمبررات واهية بأن المستهدفين في جنين هم "خارجون عن القانون" أو "تجار مخدرات"، تنقلب على التاريخ والمبادئ الوطنية، متجاهلة الدماء التي روت الأرض الفلسطينية، والمقاومة التي أبت إلا أن تظل شوكة في حلق الاحتلال، كما يقول مراقبون.
وشهدت مدينة جنين ومخيمها مسيرات مؤيدة للمقاومة ورافضة لسياسات السلطة، وإضرابات تجارية عدة أيام لإنهاء الأزمة، وخشية من الأوضاع الميدانية في ظل تواصل الاشتباكات، فيما قُدمت العديد من المبادرات على مستوى الضفة الغربية لإنهاء التوتر، لكنها لم تنجح حتى الآن.
وأكدت "كتيبة جنين" في سرايا القدس، على أن الهدف من هذه الحملة الأمنية هو ملاحقة المقاومين ونزع سلاحهم، مشيرةً إلى أن أجهزة السلطة قتلت منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي 14 مواطنًا خارج إطار القانون "من دون حسيب ولا رقيب".
إملاءات صهيوأمريكية
أستاذ العلوم السياسية، د. عثمان عثمان في جامعة النجاح بنابلس، أكد أن العمليات العسكرية التي تنفذها أجهزة السلطة في جنين، وقبلها في طولكرم ونابلس، لا يمكن إدراجها تحت أي ظرف من الظروف ضمن المتطلبات الوطنية للشعب الفلسطيني، موضحًا أن هذه العمليات لا يمكن اعتبارها عملاً وطنيًا، وأن المبررات التي قدمتها السلطة، مثل أن المستهدفين خارجون عن القانون أو تجار مخدرات، غير مقبولة.
وأوضح عثمان، لصحيفة "فلسطين"، إلى أن السلطة الفلسطينية مكبلة باتفاقيات مع الاحتلال الإسرائيلي، وما تقوم به هو تنفيذ لإملاءات واضحة من قبل الولايات المتحدة و(إسرائيل)، ولا يمكن لأحد إنكار ذلك، وإن حاولوا التبرير بطريقة أو أخرى.
وقد أعربت (إسرائيل) عن "رضاها" من هذه العملية المستمرة في جنين، كما ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن الجيش يدرس تزويد أمن السلطة بمعدات عسكرية "لمواجهة التنظيمات وتعزيز التعاون الاستخباري".
وشدد عثمان على أن من يخالف القانون الوطني هو الذي يخالف الميثاق الوطني، وليس أولئك الذين دافعوا عن مخيمات جنين منذ عام 2002، وقدموا نموذجًا لما يجب أن تكون عليه الوطنية.
وأضاف أن اتهامات السلطة لهم بأنهم خارجون عن القانون أمر "مضحك ومعيب"، مشيرًا إلى أن (إسرائيل) تستهدف جنين من جهة، والسلطة من جهة أخرى، ما يجعل هذه الممارسات غير مفهومة ضمن أي إطار وطني أو منطقي.
ورفض الاتهامات التي توجه للمقاومين بأنهم تابعون لإيران أو أي قوى أخرى، مؤكدًا أن أي دعم يأتي من دول عربية أو إسلامية لدعم الصمود الفلسطيني يجب قبوله، في مقابل رفض الدعم الأمريكي والإسرائيلي الذي وصفه بالمعيب وغير الوطني.
ويرى أن مخيم جنين قد يكون الشرارة الأولى لنهاية النهج السلطوي الذي تتبناه السلطة الفلسطينية، مشيرًا إلى أن هذه السياسات لا يمكن قبولها في ظل ارتكاب (إسرائيل) للإبادة الجماعية في قطاع غزة، وتحريضها أتباعها في الضفة الغربية على القيام بأفعال مماثلة.
وأضاف أن هذا النهج يعكس انقلابًا في المعايير والموازين، وأن ما تقوم به الأجهزة الأمنية اليوم، لو حدث قبل اتفاقية "أوسلو"، لما كان مقبولاً من الشعب الفلسطيني، لافتًا إلى أن السلطة تتلقى إغراءات كاذبة قد تبدو وكأنها "عظمة" تُرمى لها، لكنه أكد أن هذه الوعود غير واقعية على الإطلاق.
مصالح فئوية
وأشار إلى أن المثير للدهشة أن (إسرائيل) تعلن بشكل يومي أنها لن تمنح الفلسطينيين دولة أو حق تقرير المصير، ولن تزيل المستوطنات، بينما تقوم السلطة بتنفيذ ما وصفه بـ"مهام" تخدم الاحتلال، على الرغم من أننا في إطار حركة تحرر وطني.
وأضاف أن الشعب الفلسطيني لا يرغب في دولة تُفرض وفق هذا النهج، حيث ستكون أسوأ على الشعب الفلسطيني من الاحتلال نفسه، لافتًا إلى أن استمرار القمع ضد أبناء الشعب الفلسطيني في ظل غياب الاستقلال يشير إلى أن الدولة المستقبلية قد تكون مكبلة بشروط أسوأ من الاحتلال أو الاستعمار.
ورأى أن هذا الوضع لن يستمر طويلاً، مشيرًا إلى أن إزالة شخص معين من السلطة قد يُحدث تغييرًا جذريًا في النهج السياسي، حيث إن القرار الفلسطيني والعربي غالبًا ما يكون مرتبطًا بشخص واحد فقط، يدير الأمور وفق مصالحه ومن حوله من المستفيدين.
وعن تقديم السلطة أوراق اعتمادها للرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل وصوله إلى البيت الأبيض، بين عثمان أنها ليست بحاجة إلى اعتماد جديد، بل تمارس عملية تجديد البيعة لكل إدارة جديدة تصل إلى البيت الأبيض، سواء كان الرئيس جو بايدن أو باراك أوباما أو من سبقهم مثل جورج بوش وبيل كلينتون وحتى بوش الأب، الذي قادهم إلى مؤتمر مدريد وانتقص من وحدانية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية التي يتغنون بها كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.
وأوضح أن السلطة غير قادرة على الخروج عن هذا النهج بأي حال من الأحوال، نظرًا لطبيعة القيادات الحالية والسياسات التي تتبعها، مشددًا على أن التغيير الحقيقي يتطلب موقفًا عربيًا قويًا، لكن الواقع العربي أسوأ مما يمكن تخيله. واعتبر أن تغيير أنظمة عربية نحو تبني سياسات وطنية حقيقية يمكن أن يجبر السلطة على تغيير نهجها تدريجيًا، شريطة أن تضع الدول العربية معايير وشروطًا واضحة في التعامل مع أبناء الشعب الفلسطيني على أساس وطني. ومع ذلك، أشار عثمان إلى أن هذا السيناريو غير مرجح في الوقت الراهن.
كان موقع "أكسيوس" الأمريكي قد ذكر في تقرير سابق أن العملية العسكرية التي يشنها الأمن التابع للسلطة في جنين حاسمة بالنسبة لمستقبل السلطة، ونقل عن مسؤولين فلسطينيين قولهم إن دافع العملية الأساسي هو توجيه رسالة للرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب بأن السلطة شريك موثوق به.
وكشف الموقع -نقلًا عن مصادر- أن مساعدي الرئيس محمود عباس أطلعوا إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن ومستشاري الرئيس المنتخب ترامب مسبقًا على عملية جنين، وأن المنسق الأمني الأميركي مايكل فنزل اجتمع بقادة أمن السلطة قبل العملية لمراجعة خططهم.
وعن إصرار السلطة على الحملة الأمنية، رغم الدعوات الشعبية والفصائلية لوقفها، قال عثمان: إن السلطة ملتزمة تمامًا بما تمليه عليها الولايات المتحدة و(إسرائيل)، فمصيرها مرتبط بمصير (إسرائيل) بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مشيرًا إلى أن (إسرائيل) تتحكم في الماء والدواء والغذاء والكهرباء وحتى الرواتب، ما يجعل بقاء السلطة مرتبطًا برضا الاحتلال.
وأضاف أن الأولوية لدى السلطة أصبحت البقاء في المنصب، وهو ما يدفعها للسير في هذا الاتجاه. وتساءل مستنكرًا: "من العاقل الذي يصدق أن (إسرائيل) ستخلي المستوطنات في الضفة الغربية، أو تعيد سبعة ملايين لاجئ فلسطيني، أو تمنح الفلسطينيين حقهم في القدس عبر هذا النهج؟". واعتبر أن هذا ليس سوى إدارة للصراع، وأن السلطة تحولت إلى وكيل أمني ينفذ ما يُطلب منه على أمل الحصول على بعض الفتات في الخدمات المدنية.
واختتم عثمان حديثه بالإشارة إلى أن المفاوضات المستمرة منذ 30 عامًا لم تحقق أي نتائج ملموسة، إذ توسع الاستيطان خمسة أضعاف منذ اتفاقية أوسلو. وأوضح أن هذا النهج العقيم لم ينجح حتى في تحرير مستوطنة واحدة أو أي قطعة صغيرة من الأرض الفلسطينية، منبهًا إلى أن قيادة السلطة تدرك ذلك جيدًا في الدوائر والجلسات المغلقة، ومع ذلك تستمر في هذا المسار الفاشل.
تفكيك المقاومة
من جانبه، أكد رئيس الدائرة القانونية في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، فؤاد بكر أن "ما نشهده اليوم في مخيم جنين هو تنفيذ عملي لمخرجات اجتماعات العقبة وشرم الشيخ، التي عقدت عام 2023 برعاية أميركية وإسرائيلية، والتي استهدفت مواجهة المقاومة في الضفة الغربية.
وأوضح بكر في مقال نشره أمس، أن هذه الاجتماعات التي ضمت جميع الدول الموقعة على اتفاقيات "إبراهام" مع (إسرائيل) وضعت خطة أميركية تُعرف بـ"خطة فينزل"، بهدف تدريب 5000 عنصر من أجهزة السلطة على الأراضي الأردنية تحت إشراف أميركي، لتعمل على تفكيك كتائب المقاومة المسلحة في مدينتي جنين ونابلس، بدعوى الحفاظ على الأمن.
وأضاف أن الخطة تضمنت أيضاً وجود ممثلين أميركيين في الاجتماعات الأمنية بين السلطة الفلسطينية والإسرائيلية، لتقليص نشاط جيش الاحتلال في الضفة، ومحاولة السلطة فتح قنوات مع المقاومين لإقناعهم بتسليم أسلحتهم، أو استهدافهم بالقتل أو الاعتقال مقابل إغراءات مالية.
وأشار إلى أن مخرجات هذا الاجتماع جُمدت مع اندلاع معركة السابع من أكتوبر 2023، لكنها بدأت تدخل حيز التنفيذ من بوابة مخيم جنين، مؤكدًا أن أجهزة السلطة تحاصر المخيم منذ أيام تحت ذرائع غير موضوعية، الأمر الذي فجّر الأوضاع بسبب تخوفها من تهديدات إسرائيلية بحلها.
وقال: إن القائمين على مخرجات اجتماعي العقبة وشرم الشيخ يرون أن الوقت أصبح مناسباً الآن، خاصة مع تغير الأوضاع الإقليمية، معتقدين أن (إسرائيل) أضعفت المقاومة في غزة ولبنان، إضافة إلى المتغيرات المتعلقة بسقوط النظام في سوريا.
وأكد بكر أن ما تقوم به السلطة في مخيم جنين ليس وليد اللحظة، مشيراً إلى حجم الآليات العسكرية الجديدة والمتطورة التي تمتلكها الأجهزة الأمنية. وقال إنه من المتوقع أن يتطور الأمر ليشمل جميع المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية، وربما في لبنان وسوريا أيضاً، تحت نفس العنوان، وهو: "مواجهة الخارجين عن القانون." وأردف قائلاً: "كأن مقاومة الاحتلال أصبحت غير قانونية وفقاً للقانون الإسرائيلي، رغم أنها شرعية وفق قرارات الشرعية الدولية."
ودعا بكر إلى عدم الاستهانة بهذا الأمر مطلقاً، مشدداً على ضرورة الضغط لوقف الاقتتال الداخلي بشكل عاجل. وطالب بوقف حصار مخيم جنين، وفتح حوار مجتمعي، وتطبيق مخرجات إعلان بكين التي توافقت عليها جميع الفصائل الفلسطينية.
ومخيم جنين شهد معارك شرسة ضد الاحتلال الإسرائيلي منذ الانتفاضة الثانية في عام 2002، عندما تعرض المخيم لعملية عسكرية كبيرة تحت اسم "السور الواقي". ومنذ ذلك الحين، أصبح المخيم رمزًا للمقاومة الفلسطينية، ويعتبر أحد أكثر المناطق تحديًا للاحتلال في الضفة الغربية.