شهد مجتمعنا في الآونة الأخيرة نقاشًا واسعًا حول اللقاء المجتمعي الذي جمع مخاتير ووجهاء المنطقة الشرقية بخانيونس؛ وهو لقاءٌ جاء في سياقٍ مسؤول يهدف لتعزيز وحدة المجتمع وحماية السلم الأهلي، وإعادة الاعتبار لدور العائلات في الإصلاح وحفظ الاستقرار. غير أن ما يثير القلق، هو محاولة بعض الأطراف فرض خطابٍ يقوم على التهديد والتخوين، والتشكيك في نوايا المجتمع وقياداته المحلية.
عجز الحجة وقواميس الرذيلة
إن الانحدار الصادم في لغة الخطاب الذي شهدناه مؤخراً، واللجوء إلى القذف والطعن في الأعراض، ليس إلا دليلاً دامغاً على الإفلاس القيمي. إن استخدام "مصطلحات الأسواق السوداء" ولغة العصابات للنيل من المحصنات والبيوت، لا يسيء إلا لقائله، ويكشف عن عجزٍ كامل عن مقارعة الحجة بالحجة. لقد بحث هؤلاء في "قواميس الرذيلة" عما يرمون به الشرفاء، متناسين أن كرامة أمهاتنا وعائلاتنا هي الصخرة الصماء التي تتحطم عليها أوهامهم المريضة.
الشباب.. عقلٌ يواجه "البلطجة"
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل حاول البعض الهروب من مواجهة الحقيقة عبر "الاستعلاء بالعمر"، وتصغير الشباب الواعي بوصفهم "أولاداً". ونحن نذكرهم بأن الحكمة لم تكن يوماً حكراً على سنٍّ معينة، بل هي ثمرة العقل الوازن؛ فنهضة المجتمعات كانت دوماً على أكتاف شبابها المتعلم الذي يرفض الانصياع لترهيب السلاح أو بذاءة اللسان. لقد كان اجتماعنا صرخة حق، ولم يكن ردهم إلا صدىً للفشل؛ فالحقيقة دوماً توجع من اعتاد العيش في الظلام.
ومن المفارقات التي تستدعي التأمل، أن نرى من كان بالأمس يتلقى العلم والتربية على مقاعد الدراسة، يحاول اليوم بجهله وتطاوله فرض وصايته على من علمه يوماً قيم الحق والفضيلة. إن محاولة "الاستقواء بالسلاح" لتعويض "العجز المعرفي" هي ظاهرة تعكس أزمة عميقة؛ فالعقول التي استعصى عليها فهم معاني "التربية الإسلامية" وقيم الانتماء، تحاول اليوم استبدال المنطق بالبذاءة. ولكن، هيهات أن ينجح خطاب الرعاع في كسر إرادة من يحمل سلاح العلم، فالمجتمع الذي يُقدّم "الجهلاء" على "العلماء" هو مجتمع يحكم على مستقبله بالضياع.
عهدُنا.. سيادة القانون
إن مجتمعنا الفلسطيني قام تاريخيًا على منظومة قيمية تجمع بين الشريعة، والقانون، وحكمة الوجهاء. ومن هذا المنطلق، نؤكد بوضوح أن أي محاولة لفرض النفوذ عبر الترهيب خارج إطار القانون هي ممارسة مرفوضة اجتماعيًا ولا يمكن القبول بها تحت أي مبرر. إن الخلافات لا تُدار بالعنف، بل بالحوار المسؤول واحترام إرادة المؤسسات.
رسالة الختام
نحن مع وحدة المجتمع، وسيادة القانون، واحترام كرامة الناس. وسيظل الوجهاء وأصحاب الرأي يقومون بدورهم التاريخي في الإصلاح، لأن هذا الدور مسؤولية لا تُشترى ولا تُباع. وفي النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة التي تؤكدها كل التجارب: المجتمع القوي لا تحكمه لغة التهديد، بل تحكمه هيبة القانون وحكمة العقلاء.