فلسطين أون لاين

مهمة لم يحمها القانون الدولي ولم يكفِ الرداء الطبي لمنع الجريمة

تقرير حسين مطر.. ليس من "المطبخ الدولي" لكنه خرج لإسعاف المصابين!

...
حسين مطر.. ليس من "المطبخ الدولي" لكنه خرج لإسعاف المصابين!  
غزة/ يحيى اليعقوبي:

ارتدى ملابس الخدمة الطبية وانطلقَ بإسعافه نحو منطقة "بيت حانون" شمال القطاع عصر 4 إبريل/ نيسان 2024 لنقل المصابين، كل العلامات المكفولة بالقانون الدولي كانت ظاهرة وواضحة لجيش الاحتلال، لكنها لم تكفِ لمنع ارتكاب جريمة جديدة بحق الطواقم الطبية.

توقف الإسعاف الذي يستقله المسعف حسين مطر ورفاقه واهتز بمن داخله واخترقته الشظايا بفعل استهداف مباشر لهم من مدفعية الاحتلال لحظة ترجلهم وتحركهم نحو البيت المستهدف المليء بالمصابين والشهداء، وقبل أن يصلوا للمصابين والشهداء تمددوا سقطوا في الطريق.

 ارتقى المسعف الشجاع مطر شهيدًا وأصيب زميلاه بجروح خطرة، ليدفع من دمائه ثمن التمسك بممارسة مهنته الإنسانية، فتحولت المهمة الطبية المفترض أنها محمية بموجب القانون الدولي الإنساني إلى "مهمة موت" لم يحمها القانون.

بقع دماء تملأ سترته الطبية، ليست قادمة من دماء أحد المصابين، وقفازات امتلأت بالدماء لم تكن جراء وقف النزيف لجسد مصاب كما يفعل كل مرة، الدماء وآثار الشظايا تملأ كل موضوع بجسده، يغمض عينيه اللتين سهرتا طويلاً في التنقل بين محافظات شمال القطاع حتى أرهقه التبع هكذا كان مشهد المسعف الشهيد، وحوله زملائه يلقون عليه نظرة الوداع الأخيرة بعدما عادوا هذه المرة به ولم يرجع بالمصابين، بعد استهداف مباشر من مدفعية الاحتلال لهم في مسلسل إجرامي لم ينته بحق الطواقم الطبية.

مسعف شجاع

من بداية حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال على غزة، كان مطر على رأس عمله التطوعي يصول بسيارة اسعافه من شمال القطاع وغربه وشرقه وجنوبه، لا يقع أي استهداف إلا وكان من أصحاب السبق الأول ومن أوائل من يصل الإسعاف الذي يتواجد فيه للمكان المستهدف، يضع بصمته في إسعاف الجرحى وتضميد جراحهم ونقلهم ونقل الشهداء.

 تحامل كثيرا على نفسه خلال أكثر من 180 يوما منذ اندلاع حرب الإبادة، فترك منزله وطفليه بهدف التفرغ لممارسة عمله بلا أجر ولا مقابل منذ  خمس سنوات، غطى حروبا عديدة، وشهدت على دوره الإنساني مسيرات العودة التي كان أحد فرسانها في إسعاف المصابين والتقدم لخطوط تماس قرب السياج الفاصل.

 وفي كل لحظة كان يمكن أن يضع القناص الإسرائيلي الرصاصة في رأسه كما فعلوا بالمسعفة رزان النجار وغيرها من المسعفين الشهداء.

"كل الكلمات لا توفيه حقه، هو الشهيد الحكيم والشيخ الإمام، صاحب الوجه البشوش يكفي لك منه نظرة أو كلمة ليأسر بها قلبك، كان جابرا للخواطر للذي يعرفه أو لا يعرفه ليضمد جرح الروح، كما هي مهنته تضميد جراح الجسد، يعمل ليلا ونهار و لم يبرح مكان عمله منذ اندلاع الحرب" هذا الوصف كان مصحوبا بدموع سالت من عيني صديقه ضابط الإسعاف محمد العسكري.

عمل حسين الذي لم يتجاوز الثلاثين عاما متطوعا في الحروب التي شنها الاحتلال على القطاع، وحكيما وممرضا في مستشفى كمال عدوان خلال فترة السلم لأكثر من خمس سنوات، ولم يسمع صديقه منه تذمرا بل كانت تجري على لسانه "الحمد لله حالنا أحسن من غيرنا بكثير".

حافظ للقرآن

بلا مصدر مال سوى نثرية يتقاضاها من إمامة المسجد بمنطقته كونه حافظ للقرآن الكريم، ورغم أنه أب لطفلين ولديهم احتياجات كان يعتبر ذلك المبلغ كثيرًا فيقول: "اللهم أدمها من نعمة".

فلم يكن مطر مسعفًا عاديًا، فلم يعرف الخوف طريقًا إلى قلبه، إن تعلق الأمر بإسعاف المصابين، فبأي مكان كان يوغل الاحتلال بجرائمه ويقصف البيوت يتواجد ليضمد الجراح دون الاكتراث بأنه قد يكون المستهدف.

تطل صور من الذاكرة أمام صديقه "لم يعهد عليه الخوف، ولم تخل الأحداث الصعبة من حضوره، ليكون النجدة المرجوة من لحظة وصوله لأي مكان وفي كل حدث"، واصفًا إياه بأنه "جندي مجهول".

يفرد أمامه الكثير من المواقف يحتار عند أي واحد يتوقف، "لن نستطيع إيجاز حياته، فتراه أبا وأخا للجرحى، وصاحب السبق في دخول المنزل للبحث عن المصابين، يحمل كبار السن على ظهره، يطبطب على الطفل المكلوم، يحمل جثامين الشهداء على عربة عندما تقدم لانتشال شهداء لقمة العيش بمجزرة "النابلسي".

في مطلع شهر رمضان أطلع المسعف رفاقه على رؤية في منامه وأخبرهم أنه "على موعد مع الشهادة" وفي يوم استشهاده أخبر رفاقه أيضًا أنه رأى نفس الرؤية وأنه على" موعد قريب مع الشهادة ولقاء الله"، مردفًا: "ليس غريبا عليه هذه الخاتمة".

حسين مطر، المسعف والإمام في مسجد نور الدين زنكي بحيه بمنطقة "زمو" شمال القطاع، أحبه الصغير قبل الشاب، حافظ للقرآن الكريم ومحفظ له، لم يعهد عليه صديقه يوما أنه لم يصم نافلتي سواء الاثنين أو الخميس.

خطوط حمراء

لم ينس صديقه مشاركته الفاعلة في خدمة الجرحى في جميع أيام مسيرات العودة وكسر الحصار، فلم يتخلف يوما عن المشاركة فيها وإسعاف المصابين، وكان دائما الاستنفار يوم الجمعة لأجل تقديم خدمة الإسعاف، وكثيرًا تعرض لإطلاق نار بسبب جرأته وشجاعته في نقل الجرحى.

دون وداع "خطف حسين من قلب صديقه" الذي لم يهيئ قلبه لجرح جديد، بصوت مثقل بالحزن يتدفق القهر من قلبه "تجاوز الاحتلال جميع الخطوط الحمراء باستهدافه، ولكن هذا لسان حال الجميع، إما نصرا أو شهادة، ولن نتوقف عن تقديم الخدمة والإسعاف لأهلنا في غزة، ولن يوقفنا إلا شيء واحد وهو انقطاع النفس".

يتحدث عن تفاصيل استشهاده، بأن صديقه حاول إسعاف عدد من الجرحى في مدينة بيت حانون شمال القطاع بعد عدة غارات شنها الاحتلال، ورغم أنه يقود إسعافا ويرتدي الزي الخاص بالخدمات الطبية والإسعافات فلم تشفع له أمام الاحتلال الذي أطلق قذيفة مدفعية تجاهه، فاستشهد حسين وأصيب إثنان من زملائهم بجروح خطيرة وهم نبيل أبو صقر، وخالد عابد الذي فقد زوجته وأبنائه الستة في غارة إسرائيلية على بيت عمه، وبالرغم من ذلك لم يتوانَ لحظة بأن يكون على رأس عمله.

لم يعمل حسين ضمن فريق "المطبخ الدولي" الذين استهدف الاحتلال سيارتهم واستشهد ستة عمال إغاثة أجانب، في مجزرة هزت الضمير العالمي وكشفت بشاعة الاحتلال، وثارت دول عديدة لأجل هذه المجزرة التي انتهكت القانون الدولي، لكنه كان مسعفا خرج لنقل المصابين في مهمة يفترض أن يحميها القانون الدولي، لم يثر لأجله أحد وبقي العالم يمارس جريمة الصمت بحق المجازر المرتكبة ضد الطواقم الطبية.

 

 

 

 

المصدر / فلسطين أون لاين