فلسطين أون لاين

غزة... الطوفان والمحرقة

المعركة القائمة

 

التأكيد على الطاقة الفائقة للجماهير الفلسطينية عبر نموذجها الملهم غزة وأهلها ومقاومتها الباسلة وإرادتها الصلبة لمقاومة أعتى الجيوش في المنطقة، والثبات الملحمي وانتصارها الأسطوري والرفض لسياسات الذل والاحتلال والاستسلام عقب إذلال التطبيع الذي تهاوى رغم ما أصاب غزة من جراح وآلام. بعض النتائج التي حققتها ملاحم الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني وفي غزة على وجه الخصوص.

لم تلد اتفاقيات أوسلو وما تلاها منذ عام 1993 الدولة الفلسطينية الموعودة أو على الأقل "نواة" الدولة الفلسطينية العتيدة. ولم يبق من ادعاء "خريطة الطريق" الصادرة عام 2003 عن اللجنة الرباعية الواعدة "بتسوية نهائية وشاملة للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني لغاية عام 2005"، سوى لغو فارغ. واندثر خيار حل الدولتين وبهرجه الإعلامي بصفر كبير، وتم دوسة بشكل تام في طوفان ومحرقة غزة. وأرباب أوسلو يرقبون على قارعة طريق الفشل عرض أمريكي جديد بعد حذف القدس عن طاولة التفاوض وبشطب حق العودة بسلطة متجددة، وقد تطرح معادلة جديدة على غرار السماح بالتطبيع مقابل وقف الاستيطان. ورغم ذلك فالبعض يحمل أملاً باستمرار مسيرة السراب والوهم، بدعوة إلى مؤتمر دولي يدعو إلى دولة مزعومة ماتت قبل ولادتها بكون أمريكا بدل راعي لمسيرة التسوية إلى مجرمة إبادة جماعية.

 

اندثر أفق "الدولة الفلسطينية المستقلة القابلة للحياة" مقابل دولة الرخاء الاقتصادي الوظيفية وباستعداد لاتفاقيات جديدة حال تحقق الفرصة المواتية بعدما دانت "سلطة أوسلو" اللاهثة خلف بطاقات الـ VIP وبتلاشي الشروط الموضوعية التي كان البعض يستمد منها تبريره لها، بمشاركة فعلية للقيادة الفلسطينية في "السلطة الفلسطينية" المتعاملة مع الاحتلال وفي ظل ما سمي بعملية السلام والمفاوضات، وأصبح مسؤولون صهاينة سابقون وحاليون وباحثون موالون للصهيونية يروجون لفكرة "الوطن البديل". ليس هذا فحسب، بل أصبحوا يضعون لذلك قواعد علمية وأبحاثا في أشهر المراكز البحثية الأميركية وأكثرها تأثيرًا ونفوذًا، في حين أن الأمر الوحيد الذي أعاق -وما يزال-تدهور الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني هو إرادة المقاومة المتجذرة وثبات ملحمي عبر طوفان ومحرقة غزة والتي داست خطط التهجير أيضا.

مجرمو الإبادة الجماعية والمحرقة المتمثلة بحكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة تلقي بظلال بائسة على مستقبل "عملية التسوية" برمتها مع السلطة الفلسطينية، وقد أشار أكثر من مسؤول بالسلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى مستقبل سوداوي للسلطة وأبي مازن على وجه الخصوص. وستبقى الطموحات الفلسطينية أسيرة الضغوط الأميركية الشرسة في ظل تغول الحكومة الإسرائيلية وإبقاء خارطة طريق وحيدة عنوانها التنسيق الأمني والدور الوظيفي الذليل مقابل امتيازات لعصابة تختطف القرار الفلسطيني.

من المؤكد أن الولايات المتحدة بعد شراكتها الكاملة في مجازر الإبادة الجماعية -وإلى جانبها معظم العواصم الغربية القريبة منها والذين شكلوا حلف الأحزاب- كانت ولا تزال حريصة كل الحرص على استمرار لعبة المفاوضات بترويج وهم حل الدولتين والإكثار من ترديد مطلح دولة فلسطينية، كما أن الموقف لا يختلف كثيرا في معظم الدول العربية الداخلة في الرعاية الأمريكية، كما لا يختلف هذه الأيام في الحالة الفلسطينية، والسبب أن استمرارها يشكل ضرورة لجميع الفرقاء، وكل التهديدات والشروط التي يطلقها عباس أحيانا والذي صمت دهرا في ظل طوفان ومحرقة غزة والعبارات التي سمعناها وسنسمعها هي محض ألعاب دبلوماسية لزوم الشو لا تغير في حقائق الواقع شيئا. لأن قيادة السلطة اليوم هي الأكثر حرصًا من أي طرف آخر على استمرار اللعبة التفاوضية، لأن الإعلان عن فشلها وعدم جدواها سيضعها مباشرة داخل دائرة التهديد الوجودي، وليس ثمة عاقل يمكن أن يأتي ببديل غير المقاومة المنتصرة في غزة، في وقت تعتقد فيه القيادة الرسمية بأن السلاح نوع من العبث، وأن التضحية بالأرواح فداء لتحرير فلسطين تهور بل وجنون.

 

الغربيون وعلى رأسهم الولايات المتحدة يدركون ذلك كله، وهم لن يسمحوا بأن تقلب المنطقة رأسا على عقب في وجه الجميع رغم تلاشي الوزن الاستراتيجي للكيان الوظيفي، وعلى نحو يجعل الحركات الوطنية سيدة الموقف دون منازع، الأمر الذي لن يهدد مصالح الدولة العبرية فحسب، بل سيهدد مصالح الأنظمة العربية وبالتالي مصالحهم هم أيضا. ولا شك في أن استراتيجية بايدن القائمة على الإملاءات للسلطة. وتفرغه لمواجهة الصين وإنهاء المشروع النووي لإيران إذا لم تستجب للشروط، وهذا يتطلب تجييش الأنظمة العربية ضدها في استمرار صناعة البعبع، مما سيعقد المشهد نحو حرب إقليمية في حال استمرار تداعيات طوفان ومحرقة غزة.

 

الأنظمة العربية لا تبتعد عن موف أمريكا ودولة الاحتلال -سيما تلك التي تشكل مرجعية ما للسلطة العتيدة- لا تتعايش مع مسار المقاومة، وتفضل المسار الأول من دون شك، لأن المراوحة في القضية الفلسطينية، واستمرار المبادرات والمشاريع والمفاوضات (مع بقاء السلطة) هي لعبة يمكن التعايش معها لسنوات، بل لعقود أخرى كما وقع منذ احتلال عام 1967، بينما سيكون من الصعب التعايش مع ثورة جديدة في الضفة عبر إلهام طوفان ومحرقة غزة في زمن شبكات التواصل، وفي ظل شارع محتقن مفعم بحب فلسطين والانحياز إليها، بل وممتعظ من استئثار بضع أفراد بالسلطة والثروة في بلاده بل وتورثها من تشاء.

 

يدرك قادة عصابات الإبادة أنهم ومجتمعهم ليسوا في وارد حرب جديدة لا في الشمال والجنوب بعد غرقهم المذل في وحل غزة، لا ضد حماس في غزة ولا ضد انتفاضة الضفة الغربية، ولا حتى ضد حزب الله اللبناني، وذلك في ظل نتائج يوليو/تموز 2006م ويناير/كانون الثاني 2009م و2014م وسيف القدس 2021 و طوفان ومحرقة غزة 2023 تأسيسًا على ذلك، سيجري استغلال القيادة الفلسطينية "المعتدلة" الحالية وهي الأكثر على الإطلاق تقديمًا للتنازلات، ومن خلف هؤلاء المعتدلين الفلسطينيين تقف أنظمة عربية يمكنها تمرير اتفاق قادم يضمن الأمن أولاً للصهاينة، ولا يقدم للفلسطينيين سوى السراب مرة أخرى.

 

ولكن في ظل هذه الصحوة الشعبية الفلسطينية والعربية التي صاحبت طوفان ومحرقة غزة سيكون من الصعب تحقيق ذلك. ولهذا وبتوجيه وقيادة صهيونية وأميركية فإن الأعداء -على اختلافهم- سيلجأون إلى تحويل المعركة بين "إسرائيل" والفلسطينيين على الأقل إلى معركة فلسطينية داخلية، بينما تبدو مجرمي الإبادة الجماعية حمل إنساني وديع، بحيث يتم إعفاء "إسرائيل" من تبعات نهجها وسياساتها الإجرامية والاستيطانية والإحلالية في معاملة الفلسطينيين والتي كان آخر فصولها حرب الإبادة الإجرامية على غزة وتهويد القدس وصولاً للضم الكامل، وتوسيع المستوطنات في الضفة المحتلة وصولاً للضم النهائي، مع حرص إسرائيلي وأميركي على الحفاظ على وجود القيادة الفلسطينية "المعتدلة" لتكمل الدور المنوط بها في لعبة المفاوضات السياسية ضمن عملية التسوية الكاذبة. وستتواصل في ذات المرحلة دعوات الحوار الداخلي الملهاة المسامة مصالحة (طبخة الحصى) لإشغال حماس في المحافظة على نفسها وتنظيمها ومنعها من التقدم في مشروعها الكبير، حيث يدرك الجميع أن حماس هي اللبنة الرئيسة لمثل هذا المشروع الناهض والواعد.

 

إن المرحلة القادمة خطيرة في حياة القضية الفلسطينية إن لم تكن هي الأخطر على الإطلاق، ومن هذا المنطلق فقط يجب تحديد الأهداف المرحلية بدقة كبيرة حيث لا اختلاف على الأهداف الكبرى، مع إدارة حكيمة للمعارك القادمة. والحكمة تقتضي عدم الانجرار إلى مواجهة إلا مع الاحتلال، فهناك معارك فرعية ووهمية. وفي المقابل لا بد من العودة إلى الاشتباك مع مشروعية الكيان الصهيوني، والمتجسدة في القرارات الأممية 181 وما بني عليه من القرار 242، وخط الهدنة لغزة في 67 واتفاقات التسوية العربية الفلسطينية الصهيونية، وما يترتب على ذلك من مطالبة بالحقوق الفلسطينية كاملة. هذا مع ضرورة العمل بشكل منهجي ومنظم (في ظل اختطاف السلطة ومنظمة التحرير) على إخراج كل الأطراف الفلسطينية من التزامات أوسلو المتمثلة في التنازل عن فلسطين 1948، والاعتراف "بإسرائيل" والتخلي عن المقاومة والسلاح، وما أسفر عن الاتفاقات من اعتبار المقاومة إرهابًا وعبثًا، وذلك عبر إبراز أن الطرف الإسرائيلي هو الذي أفشل خيار المفاوضات وأفشل "المعتدلين" وطعنهم في الظهر.

 

إلى جانب ذلك، إعادة الاعتبار إلى العلاقة مع الداخل الفلسطيني وخصوصًا الجمهور، وإعادة النظر في طريقة بناء المؤسسات الفلسطينية التي ستكون رافعة قوية وقانونية للمعركة القادمة، والعمل على إعداد غزة والضفة للدفاع عن القدس وعن نفسها بإعادة تأهيل الضفة الغربية لجولة جديدة من المقاومة، ورفض أي اتفاقات جديدة أو أي ترتيبات أو حتى حوارات تضعف هذا التوجه، والدفاع بكل قوة عن حق المقاومة في امتلاك السلاح بكل أنواعه. وذلك لا يمنع إدارة المعارك في المسائل التفصيلية والتكتيكية والمرحلية مثل: التهدئة والحصار والمعابر، مع مراقبة عمليات الإعمار وما سيرافقها من أنشطة لئلا تتحول إلى أدوات إخضاع أو قنوات تطبيع وتجسس ووسائل إفساد وتخريب واستقطاب لمعسكر التسوية المهزوم.