وما فقد سكان غزة فروسيتهم

الجريمة البشعة التي زعزعت أركان التسامح في قطاع غزة قبل يومين، حين أقدم أحدهم على إطلاق النار متعمدًا مع سبق الإصرار، فقتل اثنين أخوين، وأصاب أخاهما الثالث بجراح خطيرة، بحجة الأخذ بالثأر؛ هذه الجريمة خارجة عن عادات الشعب الفلسطيني، الذي اقتنع بقدرة الشرطة الفلسطينية على ضبط الأوضاع، ووثق بالقانون طريقًا لإحقاق الحق.

لقد أدان المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة بمختلف مستوياته الثقافية والفكرية والاجتماعية، وفي مختلف مدنه وقراه ومخيماته؛ أدان الجريمة الغبية التي اقشعرت لها الأبدان، لأن الأخذ بالثأر لم يعد سلاح العصر الوحيد لردع الجريمة، أو الانتقام من القاتل، فالتطور الحضاري والمدني في القرن الحادي والعشرين فرض على الناس جميعهم اللجوء إلى السلطة المركزية، ممثلة بالحكومة، لتقوم بدورها في حماية الضعيف من تجبر القوي أولًا، وتقوم بدورها في تكسير رأس القوي ليحترم حقوق الضعيف ثانيًا، وهذا الأمر معمول به من سنوات طويلة في كل دول الجوار، حتى في أقاصي البادية، وقبل وجود حكومات مركزية، فقد أوجد العربي القديم قوانينه في القصاص من القاتل، التي أوصت بعدم الإسراف في القتل، وعدم الاعتداء على الأبرياء، تلك القوانين التي انسجمت مع تعاليم الدين الإسلامي، حتى صارت جزءًا من الأخلاق العربية العامة، ومكونًا أساسيًّا للكرامة والشهامة، وهي الفروسية التي يعتد بها العربي في المحافل والمناسبات.

ومن أفضال الحكومة الفلسطينية بقطاع غزة في هذه الحالات سرعة التحرك، وجرأة الفعل، وسرعة الحسم الميداني، مهما كلف الأمر، فتعتقل الحكومة كل مشبوه في الجريمة، وتحرص على فرض هيبتها حفاظًا على السلمي الأهلي، ولكن هذا الإجراء السريع النافع لا يكفي وحده لمحاربة الجريمة، وردع المجرمين، ما لم يرافقه التطبيق الفعلي للأحكام الصادرة بحق القتلة، ولاسيما أولئك الذين قال القانون بحقهم كلمته، ويشكل وجودهم في السجون مصدر قلق لأهالي الضحايا، الذين ينتظرون لحظة القصاص بصبر نافد.

إن تعاطف الجماهير في قطاع غزة مع المظلوم لا يسوغ له الحق في الانتقام، ولا يخوله أن يأخذ القانون بيده، ليتربص للطرف الآخر، والاعتداء عليه، فلما أدان المجتمع الجريمة، ولما قامت الشرطة بواجبها؛ فإن الواجب يقضي بأن يعمد العقلاء إلى كظم الغيظ، وضبط النفس، وعدم الانجرار وراء ردود الفعل الغاضبة، وكلنا ثقة بأن العدالة ستأخذ مجراها.