فلسطين أون لاين

تقرير "بيان".. حرّرت قلب "بلال البرغوثي" من المؤبدات وسلمت أمرها للقدر

...
الأسير بلال البرغوثي
غزة/ يحيى اليعقوبي:

"جاءتني تحملُ وطنًا، تحكي ثورةً، تنْبضُ عزًا، جاءتني تؤكدُ أصلًا، تظهرُ أرضًا، تنفي خبثًا، جاءتني عابرة للزمان والمكان، تخبرني: أنتَ لستَ وحدكَ تقاتل، أنا مثلك حرةً أبيةً أنزفُ عشقًا لوطني المسلوب"، تتراقص عبارات الفرح على ورقةٍ خطها الأسير بلال البرغوثي (46 عامًا) من مدينة رام الله في أول زيارة لخطيبته "بيان" للسجن بعد أربعة أشهر من ارتباطها به العام الماضي، معلنة حلول الربيع في خريف بلال داخل الأسر.

اختارت "بيان" (37 عامًا) ارتداء ثوب تراثي فلسطيني في زيارتها للسجن، وسارت أمام السجانين الذين بدا عليهم الغضب وحاولوا إزعاجها بسبب الثوب الذي يثير استفزازهم ويذكّرهم بعلم فلسطين. استمرت في رحلتها بثبات نحو خطيبها، وكأنها تقيم مراسم خطبة فريدة لا مثيل لها إلا في فلسطين. وبين الخطيبين يقف عازل زجاجي يفصلهما، ولا يوجد أحد آخر حاضر في المكان إلا أعين السجانين الذين لا يملون من مراقبتهما.

وبالرغم من أن بلال، الذي ترتبط به "بيان"، محكوم بالمؤبدات وقد أمضى 22 عامًا في السجون، إلا أن ذلك لم يكن عائقًا لـ "بيان" في قبول الارتباطـ، فقد تجاوزت قسوة الحكم وطوله في عيون الناس وتحديات رفض بعض الأقارب لهذه الفكرة.

تحققت "المعجزة"!

قررت "بيان" أن تكون جزءًا من حياة الأسير بلال وأن تُضفي الفرح والسعادة على قلبه المكبوت، أحبّت أن تقدم شيئًا لوطنها كتعبيرٍ عن امتنانها وتقديرها لتضحيات الأسرى الذين فقدوا أعوامًا عديدة وشبابهم خلف قضبان الاحتلال، فهم يحملون على أعناقهم أثقالًا من العذاب والألم، ولكنهم ما زالوا يثابرون ويصبرون.

وبالرغم من الصعوبات، وضعت "بيان" أمرها بيد القدر، وتدرك أن كل شيء ممكن بإرادة الله، تعلم أن حكم السجن المؤبد لا يعني النهاية المطلقة، فقد تحققت صفقات تبادل أسرى بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال في الماضي، وتأمل أن يأتي يومًا تتحقق فيه الحرية لبلال على غرار صفقة وفاء الأحرار الأولى في عام 2011.

كيف تعرفتْ على بلال؟ في ردها عليه تقول "بيان" لصحيفة "فلسطين" قبيل ساعات قليلة من التوجه لأداء فريضة "الحج": "لكوني ناشطة في مجال الأسرى ومتابعة لأوضاعهم، كنت أعرفهم، ودائمًا يحدثني المحررون عن شخصية بلال البرغوثي – قبل الارتباط به – ومع تكرار الحديث عنه أمامي أعجبتُ بشخصيته، حتى تمنيت أن يرزقني الله بزوج بمثل شخصيته وصفاته وأخلاقه".

"بيان" تصف قصتها مع بلال بأنها تشبه "معجزة". لم يكن الإعجاب العادي كافيًا ليحدث الارتباط بينهما، كانت البداية عندما اعتقل الاحتلال أحد طلابها وأمضى فترة أسره مع بلال، وهنا تبدأ القصة: "تحدث له عني وأنني أناسبه لأكون زوجةً له وأنني أحب وطني وتوقع أن أقبله – دون أن يخبرني مسبقًا- وبعد تحرره جاءني الطالبُ وسألني: "عندك مانع تتزوجي من أسير!؟" كانت الصدمة عندما قال لي: بلال".

اقرأ أيضاً: قوات الاحتلال تعتقل المطارد بلال البرغوثي شمال رام الله

لم تكن "بيان" تدرك أن الرجل الذي تمنت أن ترزق بزوج مثله سيكون خطيبها نفسه، لخمس دقائق تجمد الكلام في حنجرتها ولم تتكلم، قبل أن يطلب منها الرد، تطرق ذاكرتها بقية التفاصيل: "أخبرته أنني سأعرض الفكرة على الأهل، وفي البداية رفضوا لعدة أشهر، وعندما لامسوا إصرارًا مني وافقوا، فتقدم بلال لخطبتي".

"لماذا قبلتِ الارتباط بأسير محكوم بالمؤبدات الـ 16!؟ هذا السؤال الذي طُرح على "بيان" مرارًا وتكرارًا، لكن بالنسبة لها السؤال المنطقي: "كيف تقدّم أسير غير عادي للزواج بفتاة عادية؟"، تعبر عن مشاعرها بكلمات مليئة بالحب والانتماء: "الأسرى ضحوا بأعمارهم وأنفسهم لأجل أن نعيش نحن وتحملوا الصعاب، وربما نحتاج لآلاف الأعوام حتى نصل للوجع الذي يشعرون به، فنحن نعيش بمنظومة اكتوت بظلم الاحتلال وأعوانه، لذلك يجب أن نكون عونًا وسندًا للأسرى".

تحرر القلب

تنبعث السعادة والفرح من صوت "بيان" وتعبر عن امتنانها لارتباطها ببلال: "سعيدة أنني ارتبطت به، وأصبح جزءًا من حياتي، وهو شعر أن هناك كيانًا خاصًا به. قال لي (تحررتُ يوم ارتبطتُ بكِ)، انتصر على السجان بمشاعره".

فتحت "بيان" باب الأمل لخطيبها، فهو صار بهذا الارتباط أقرب إلى الحرية من السجن بالرغم من كل المؤبدات، فهما يفكران الآن بخطوة النطفة المحررة والزراعة والإنجاب ليحرر جزءًا منه ويعود طفلًا يزوره مع والدته يحمل اسمه ويسجل انتصارًا جديدًا على المحتل.

يتباطأ مشهدُ الزيارة الأولى التي حدثت بتاريخ 15 يناير/ كانون ثاني الماضي أمامها: "كانت زيارة جميلة ومختلطة بالمشاعر لكنها غريبة، فقد بكينا نحن الاثنان، وحولي حدثت قصص عديدة، رأيت طفلة الأسير سامر العربيد تسأل شقيقتها وهي ترتب نفسها: "كيف لبستي؟ بابا راح ينبسط؟ وطفلة الأسير منتصر شلبي كانت تضع سنًا خلعته في "محرمة"، ووالدة أسير تضع رأسها على الزجاج ليقبلها ابنه، رضيعة بعمر سبعة أشهر أدخلوها عند والدها وبكت كثيرًا لأنها لم تعرفه".

تستحضر لحظة زيارتها له، وكيف احتفى به الأسرى: "أدخلت الفرح على قلوب جميع الأسرى، وأغاظت المحتل، وأدخلت الفكرة في قلوب أسرى المؤبدات المترددين، عندما شاهدوا حجم السعادة التي يعيشها بلال وحياته التي تغيرت وأصبح لديه حياة خاصة وأسرة".

تهمس في قلوب الفتيات بأن يسرن على دربها في قبول أسرى المؤبدات وعددهم 250 أسيرًا، كنوع من الصبر والتضحية ولرفع معنويات الأسرى داخل السجون فتح أبواب الأمل لهم، وإضاءة عتمة تلك القضبان بحياة مرتبطة بالعالم الخارجي أكثر.

في ختام خاطرته التي عنونها بـ"ثوب الوطن"، يخاطب البرغوثي خطيبته بكلمات مؤثرة: "حبيبة القلب وشريكة الروح، أهديك أنفاس الثبات والعشق بعد أن كحلت عيوني بنور حضورك (في زيارتها الأخيرة له في سجن نفحة الصحراوي في 15 يناير 2023) وأنت مزينة بالثوب الفلسطيني الأصيل، فأقول: جاءتني تحملُ وطنًا".