قائمة الموقع

بـ5 دقائق ووداع قسري.. غادرت عائلة "نبهان" منزلها وعادت لتقرأ "الفاتحة" على أنقاضه

2023-05-16T12:32:00+03:00
مشهد من أطفال عائلة نبهان تحت أنقاض منزلهم (تصوير: محمود أبو حصيرة)

شواهد جماعية كُتب عليها أسماء أصحابها من أفراد عائلة نبهان بمنطقة "بئر النعجة" شمالي قطاع غزة، مشهد لا تراه إلا في حروب الإبادة أو المقابر الجماعية، حينما توضع الشواهد دلائل على الجثث، لكن هذه المرة نجا 45 فردًا من الموت وشيعوا أحلامهم على أنقاض منزلهم المدمر.

المنزل المكون من أربعة طوابق يضم ثماني شقق وذكريات العائلة، سوته طائرات الاحتلال الحربية بالأرض في لمح البصر، في 13 مايو/ أيار الجاري، في إطار العدوان الواسع على القطاع، فلم يبقَ منه سوى حجارة وركام يقف أصحابها على أطلالها مشردين يبكون حسرتهم ومأساتهم ونكبتهم التي يعيشونها من جديد.

كانت أكبر أحلام العائلة النوم بعد صلاة عشاء كل يوم ليستيقظوا على يوم جديد لبيع أشتال "الجرير" في الأسواق، لتوفير دواء ثلاثة إخوة من ذوي الإعاقة مقعدين على كراس متحركة قُبرت مع الردم، وأفراد آخرون يعملون في الزراعة وبعضهم يعيش على شيكات "مخصصات الشؤون الاجتماعية"، وجميعهم كانوا هدفًا للعدوان.

تحت لسعات شمس الظهيرة وحرقة القلب على ضياع الذكريات احتمى الطفل يوسف (12 عامًا) هو وعمه وأبناء عمه الأطفال أسفل إحدى الطبقات التي وفرت الظل الوحيد في المكان، غلبهم النوم أو هربوا إليه محاولين تناسي ما حدث.

مهلة 5 دقائق

مساء يوم 13 مايو، ومع حلول الظلام الذي تنشط فيه طائرات الاحتلال في ترويع أهالي القطاع، وبينما كان الأطفال يغطون نائمين آمنين داخل منزلهم، استيقظوا مفزوعين على صوت نداء من عمهم "كمال" الذي تلقى اتصالًا هاتفيًّا من مخابرات الاحتلال مفادها فرصة للنجاة من الموت، قدرها خمس دقائق فقط لإخلاء كل من في المنزل.

بكاء أطفال وهم يهرولون مفزوعين من المنزل، ومشاركة بعض الجيران في حملهم، ونساء تركض نحو الشارع لم يستطعن ارتداء حجابهن من هول الموقف، يحرك "كمال" تفاصيله لصحيفة "فلسطين" بصوتٍ منهك وعينين ذابلتين من التعب: "لحظة اتصال ضابط الاحتلال أظهرت اعتراضي وقلت له: بيننا ذوو إعاقة وأناس غلابا، فرفض الإنصات وقال: البيت بنك أهداف، معكم خمس دقائق".

يجلس نبهان على حجارة المبنى، يعتصر الحزن ملامحه: "طلبت منه أن يسقط صاروخًا حربيًّا من طائرات الاستطلاع كي يعلم الجيران، فرفض وقال لي: هذا يكلفنا مالًا أكثر، فبدأت المناداة على إخوتي ووالدتي".

تقف أمه الحاجة الستينية نجاح نبهان مع أبنائها الثلاثة من ذوي الإعاقة أريج (22 عامًا) وحنين (15 عامًا) وجلال (23 عامًا) وثلاثتهم يجلسون على كراسي متحركة قدمتها للتو بعض المؤسسات عوضا عن كراسيهم المدمرة تحت الأنقاض.

"كان المشهد صعبًا، صرت أنادي على الجيران لإنزال أولادي وأحفادي".. احتفظت ذاكرتها فقط في تلك اللحظة، ثم أغمي عليها ولم تفق إلا بعد تدمير المنزل، تستحضر: "اعتقدت أنهم استشهدوا جميعًا، قال لي أحدهم: الله يعوض عليكِ، لم أتمالك نفسي وأصبت بصدمة وأجهشت بالبكاء، فطمأنني: تخافيش كلهم طلعوا لكن البيت دُمر.

فصل نكبة جديد

بملامح تخط فيها النكبة فصولا جديدة في حكاية تشرد الشعب الفلسطيني منذ خمسة وسبعين عامًا، تبكي نبهان حسرتها وهي تقف بجانب الركام: "بنينا البيت من تبرعات مؤسسات إغاثية، والآن ضاع حلمنا، وها نحن مشردون، الجار يستطيع تحملك يوما أو يومين وليس طول العمر، بعدما كان البيت يأوي أحلامنا كلنا".

يختزن صوتها حنينًا للمكان وهي تلمس بيدها أحد الجدران المدمرة: "كان المنزل يسترنا، يضم كل هذا العدد، نأكل مما يتيسر لنا، الآن كما تراهم يفترشون الأرض في محيط المنزل، لا نعرف أين نجلس، نعيش التشرد بلا دورات مياه لازمة لأبنائي ذوي الإعاقة، وعندما ستطهو لا مكان".

يتجه نظرها تجاه شجرة زيتون سلمت من القصف، تردف بقهر: "بالأمس نمت تحتها، اليوم أين سننام؟".. تمسك حجابها الرمادي تضيف شيئًا جديدًا على مأساتها: "أخذته من جارتي، حتى الحذاء استعرته من الجيران فالاحتلال المجرم لم يعطِنا فرصة لأخذ أي شيء".

تحت ظلال شجرة الزيتون، يفترش العدد الأكبر من المشردين هنا الأرض، ترى أطفالًا يجلسون في أحضان أمهاتهم، الرضيعة "جوري" ابنة الخمسة أشهر تجلس في حضن أمها، وسط كل هذه المأساة التي لا تعي منها شيئًا، ولا تعلم أنها كانت آخر من خرج من المنزل، عندما نسيتها أمها قبل لحظة القصف بدقائق.

لم يكن دخول المنزل بعد إجلاء أصحابه جميعًا وابتعادهم مسافة 200 متر سهلا، سيطر الخوف على الجميع خشية من بدء قصف المنزل، لكن أمام صرخات والدتها للجيران، خاطر أحدهم بحياته غير آبه إن كانت ستقصفه الطائرات أم لا، ودخل المنزل وأحضر الطفلة النائمة ورد للأم روحها، وما هي إلا لحظات حتى سويّ المنزل بالأرض وعيونهم شاخصة.

من الصعب على أم نسيان فلذة كبدها، لكن قسوة المشهد وحالة الفزع شتتها: "صدمت عندما سألت عن ابنتي وقالوا إنها غير موجودة، تذكرت أنني تركتها على السرير، عشت لحظة مرعبة، حتى أحضروها لي".

بجوارها تعيش "سلفتها" محاسن نبهان هي وأبناؤها العشرة فصول المعاناة ذاتها، يحيط بها أطفالها، يبحثون عن فرحة مفقودة، وأحلام تناثرت بين الردم وتحت الحجارة، وجهها الواجمُ قهرًا يسأل عن الذنب الذي ارتكبه خمسة وأربعون فردًا من العائلة كي يصبحوا في خمس دقائق مشردين بلا مأوى.








 

اخبار ذات صلة