قائمة الموقع

محمد العزيز.. تشكيلي يصنع الفن من أجل فلسطين والإنسانية

2023-03-14T11:57:00+02:00

في قسم (22) من سجن عوفر، تحديدًا غرفة رقم (14)، خط المحرر محمد العزيز أغلب لوحاته المبنية على فن الحروفيات. تقع هذه الغرفة في الطابق العلوي من القسم، يتشارك ثمانية أسرى معيشتهم فيها، كان محمد أحدهم، وكان رفاقه الأسرى مشجعين ومساندين له لإتمام لوحاته رغم رفض إدارة السجن، ومصادرتها اللوحات مرات عدة.

ورق أبيض، وقلم حبر، وفنجان قهوة، وإسفنجة، أدوات ترجم بها الفنان التشكيلي من مخيم العروب، إبداعاته ولوحاته الواحدة والأربعين التي تجوب المراكز الثقافية في المدن الفلسطينية.


 

بدأ محمد "26 عامًا" الرسم في السجن الذي أمضى فيه 8 أشهر خلال عام 2022، وهناك كان من الواجب عليه أن يقوم بعمل ما، حتى لا يبقى تحت مقصلة السجان الذي يفكر على الدوام بكيفية إخضاع الأسير، "فكان يجب عليّ أن أهرب بطريقتي الخاصة تجاه أي مهرب، لأخرج من ماكينة السجن القوية التي تهدف إلى قتلي نفسيًا وفكريًا".

ويضيف: "أنتجت هذه اللوحات خلال أربعة أشهر، كنت أستخدم الورق الأبيض وأعتّقه بالقهوة بواسطة إسفنجة، وأتركه حتى اليوم التالي لكي يجف، فتكتسب الورقة اللون البني، ومن ثم أبدأ بالقلم الحبر أخط حروفي".

ويتابع محمد العزيز: "أعمل بالفن التشكيلي والخط العربي قبل السجن، ولذا اخترت الحروفيات لتكوّن مزيجا بين الاثنين".


 

لم يفكر محمد يومًا بإقامة معرض، وإنما هو صنيع أصدقائه الذين كان يهرب لهم هذه اللوحات من داخل السجن، الذين وضعوها داخل براويز واهتموا بها، وأجبروني على افتتاح المعرض الأول للوحات في مركز خليل السكاكيني في رام الله في سبتمبر من العام الماضي.

صراع مع إدارة السجن

ويردف محمد العزيز: "كنت أقضي 12 ساعة على طاولة الغرفة الوحيدة والمشتركة بين الأسرى، التي كانت محور صراع يوميًّا بيننا لكن دون مشاحنات، بل على العكس كان هناك الكثير من التفاهم بيننا".


 

ويلفت إلى أن كل الأمور العالقة مع الأسرى كان مقدورًا عليها، فالتحدي الأكبر كان مع إدارة السجن التي صادرت اللوحات، وحاولت منعه من الرسم بتدخلها في أدقّ التفاصيل، والحديث المستمر مع المُكلفين من الأسرى. 

ويروي المحرر محمد العزيز موقفًا أظهر مساندة الأسرى له، ففي أحد الأيام أبلغت إدارة السجن المكلفين بإدارة الغرفة، بأن هذا الشاب الذي يرسم يجب أن يُطفئ النور وينام، ويتوقف عن الرسم، لكن الأسرى كانوا يطمئنونه ويشجعونه على المواصلة ويساندونه في مواجهة إدارة السجن.


 

خاض محمد العزيز صراعًا متواصلًا مع إدارة السجن للحفاظ على اللوحات، حيث تمت مصادرة (13) لوحة، استطاع استعادتها بعد مناوشات ومطالبات مستمرة، وبعضها أعاد رسمها من جديد تحت إلحاح شديد من الأسرى.

راحة نفسية

وعن أكثر اللوحات التي بذل فيها محمد العزيز مجهودا كبيرًا، يذكر أن لوحة "تحيا فلسطين حرة" هي الأكثر قربًا إلى نفسه، وقد أخذت منه وقتا طويلا.


 

ولم تكن لوحات "غرفة 14" هي الإنتاج الإبداعي الوحيد الذي أفرزه السجن، إذ تمكن من خط ورسم نحو 200 لوحة في ثمانية أشهر كلها تحمل رسائل مقاومة وحب فلسطين والبذل لأجلها، وبعضها هدايا لعائلات الأسرى، كانت تحمل في طياتها عبارات الحب والاشتياق، وزخرفة الأسماء، في محاولة لتخفيف لوعة البعد والاشتياق لأحبتهم، مشيرًا أن أربعين من لوحاته أنتجت داخل السجن.

ويقول إن العمل على بعض هذه اللوحات استغرق منه يومين إلى أربعة أيام، وأخرى من أسبوع لأسبوعين، "لكن ردات فعل أهالي الأسرى على الحروفيّات، كانت تجعلني أرسم أكثر من ألفي لوحة دون أي تعب وبراحة نفسية كبيرة، هذا شيءٌ عظيمٌ ومُهم".

لكل لوحة حكاية

ويلفت محمد العزيز أن لكل لوحة حكاية فنية، فمثلًا: لوحة "حيفا لنا"، نص مؤطر ومتداخل بنص آخر، "سيضرب تاريخ هذه البلاد الطويلُ رأسَ الأفعى بحَدِّ الدمِ المشحوذِ ببآبئَ حجّرها الدمعُ على الدمِ يُرطَّبُ بالدّمِ فلا يتخثّر" مستخدمًا التعبئة والتفريغ بالحبر الأسود الجاف ليميز النص الأول عن النص الثاني وليبين حدود النصين، وقد صُودرت هذه اللوحة، ثمّ استعيدتْ بعد ضغط من الأسرى على إدارة السجن.


 

ولوحة أخرى نتجت عن حديث محمد العزيز مع الشّيخ محمّد أبو طير، حينما التقى به في السجن ذات يوم، الذي أمضى أكثر من 38 عامًا داخل سجون الاحتلال! فسأله: أنت مُقل الكلامِ يا شيخ، لماذا؟ فأجابه: خُلِقَ الحزمُ أبكمَ، فصارت لوحة في خلفيتها جملة: "يا حريّة" مُضمخة بالقهوة المكتوبة بقمع السيجارة.

ويختم محمد العزيز بالقول: إن "أهم قضية على الأرض هي القضية الفلسطينية، وكل ما يسيرني هي مقولة أفضلها.. اليوم نصنع الفن من أجل فلسطين والإنسانية".

اخبار ذات صلة