يواصل رئيس وزراء العدو الإسرائيلي حديثه القاطع عن عدم السماح بإقامة دولة فلسطينية، وأن الأرض الممتدة من نهر الأردن وحتى البحر المتوسط هي دولة إسرائيل، ولن يسمح في يوم من الأيام بإقامة أي كيان فلسطيني يمزق وحدة أرض إسرائيل؛ كما يزعم، ولعل هذا المنطق العدواني لا يمثل الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تشكل الحكومة الإسرائيلية، هذا الموقف المبدئي تلتقي عليه الأغلبية العظمي للإسرائيليين، فكلهم كأحزاب وأفراد يجمع على ضرورة منع إقامة دولة فلسطينية، وكلهم يجمع على أهمية القدس عاصمة موحدة وأبدية لدولتهم، وكلهم يجمع على ضرورة بقاء مليون مستوطن في الضفة الغربية، وكلهم يجمع على أهمية البقاء في غور الأردن، للفصل ما بين الضفة الغربية والضفة الشرقية للنهر.
تلك المعادلة السياسية الإسرائيلية، بما في ذلك تصريحات نتانياهو لا تأتي للتفاخر والزهو، ولا للاستعراض اللفظي، ما يقوله نتانياهو بتصريحاته هو محاكاة للواقع، فلم يعد هناك مكان على أرض الضفة الغربية يسمح بقيام دولة فلسطينية، لقد قطعت المستوطنات الإسرائيلية أرض الضفة الغربية، وفصلت بألف حاجز بين المدن، وسيطرت على اقتصاد الضفة، وامتلكت المخارج والمداخل، وصار الفلسطيني على أرض الضفة الغربية غريباً منعزلاً، لا يمتلك إلا عدة مدن وقرى دون سيطرة أمنية، ليبسط العدو نفوذه على كل الأرض الفلسطينية.
لقد كان الهدف الذي انطلقت من أجله منظمة التحرير الفلسطينية هو تحرير كامل التراب الفلسطيني بقوة السلاح، ثم جرى التراجع عن هذا الهدف، ليصير إقامة دولة فلسطينية مستقلة بكامل السيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة 67 هو الهدف، لتقبل القيادة الفلسطينية بعد ذلك بسلطة تحت الاحتلال الإسرائيلي، لتقف بعد ذلك عارية من القوة، تتوسل على أبواب الأمم المتحدة حل الدولتين الذي صار مستحيلاً بحكم الواقع.
ضمن هذا المنطق القائم على حل الدولتين، يخادع الفلسطينيون أنفسهم، وحين يتحدثون عن دولة فلسطينية مستقلة، لا تحمل مقومات الدولة، ولن يكتب لها الحياة في بقعة جغرافية يسيطر على سمائها وأرضها وجوفها وهواءها العدو الإسرائيلي، ضمن هذا الواقع العنيد، وضمن هذه المعادلة القاسية، لم يبق لنا نحن الفلسطينيين إلا أن نطالب بحل الدولة الواحدة، دولة لكل من يقيم على أرضها، دولة يعيش فيها العربي واليهودي بحقوق متساوية، حقوق سياسية وإنسانية وحياتية ووظيفة، وهذا الموقف السياسي الفلسطيني الذي يحاكي الحقائق، ويقرأ الواقع، سيجد له صدى لدى كل شعوب العالم، وسيجد دعماً من دول تحارب التفرقة العنصرية، ولاسيما أن حرب الإبادة الجماعية على أهل غزة قد قرعت الجرس أمام العالم، بأن هناك شعب عربي فلسطيني يعيش المحرقة، وهناك تفرقة عنصرية تغذي السلوك الإسرائيلي.
قد لا يعجب هذا الحديث الصريح الكثير من المنتفعين من بقاء الوضع على ما هو عليه، ومن بقاء السلطة الفلسطينية مرتبطة بذيل السياسية الإسرائيلية، وتتغذى من ضرع الاقتصاد الإسرائيلي الناشف، بلا أفق واضح وبلا مستقبل مطمئن، وهذه هي الحقيقة العنيدة، التي يتوجب علينا أن نتجرعها نحن الفلسطينيين، فطالما كانت الأمة العربية والإسلامية غير قادة على فرض إرادتها في الميدان، وطالما كانت ممارسات العدو الميدانية واطماعه منفلته على كل الأوهام، فمن الخطيئة أن يظل الشعب العربي الفلسطيني غارقاً في مستنقعات حل الدولتين، في الوقت الذي يعمل فيه العدو الإسرائيلي على إقامة إسرائيل الكبرى، دون أي اعتبار لوجود الشعب العربي الفلسطيني.
لنحارب نظام الفصل العنصري على أرض فلسطين؛ أسوة بشعوب إفريقيا، التي حركت العالم متعاطفاً ومتضامناً مع المطالب السياسية المنطقية العادلة.