تفحص ملامحها جيدًا، فإذا هو الوجه الذي ألِفه طوال السنوات الماضية وتعرف إليه من بين القادمين لاستقباله، لم يكن يصدق نفسه بأنه قد انتهي من عدّ الأيام والشهور والساعات.
يقول إنه كان يخجل من النطق بمدة محكوميته أمام أسرى مضى على أسرهم أكثر من عشرين عامًا، وآخرين قد لا تكفي أعمارهم لإتمام سنوات محكوميتهم فلا يعرفون موعدًا للحرية.
خلال أجواء الاستقبال وفرحة الحرية كان يتمنى أن يصفعه أحدهم ليتأكد أنّ ما يعيشه حقيقة وليس حلمًا، يقول المحرر عبد الله أبو ضاهر (31 عامًا) من سكان مخيم البريج وسط قطاع غزة، والذي أمضى 10 أعوام في سجون الاحتلال بذريعة الانتماء إلى تنظيم مسلح ومقاومة الاحتلال.
لطالما آمن بحتمية الدفاع عن الوطن وأرضه لطرد الاحتلال الإسرائيلي عنها، لكنه أبَى إلا أن يزيد من حدة الانتقام في قلبه بعد إقدام طائراته على قصف منزل عائلته في عام 2009 في جحر الديك، لينتقل وعائلته للاستقرار في مخيم البريج.
يقول أبو ضاهر لصحيفة "فلسطين"، إنّ الاحتلال لا يفهم الدرس إلا بالحديد والنار، ففي 28 من أغسطس/ آب لعام 2012 توجه باكرًا إلى عمله في الزراعة بأرضه في المنطقة الشرقية، لم يصحُ على نفسه في أثناء انشغاله بالفلاحة إلا والجنود يحيطون به من كل جانب، لا مجال أمامه للمقاومة.
مراحل التحقيق
يضيف عبد الله: "قادوني مغمى العينين ومقيد اليدين والقدمين إلى مركز التحقيق ومنه إلى عسقلان إذ حقق معي لمدة 24 يومًا ووجَّهوا لي عدة تهم تحت تعذيب جسدي ونفسي يوهم الأسير أنهم يعرفون كل تفاصيل حياته".
بعد هذه المرحلة التي اعتقد أنها الأصعب، وضع في زنزانة لمدة 50 يومًا قضاها بين جدرانها الرمادية القاتمة التي أطبقت على صدره لمساحتها الصغيرة. وما إن تأقلمت مع الوضع حتى أعادوني للتحقيق مرة أخرى مع محقق رائحة فمه كريهة يتعمد التحدث في وجهك ليستفزني، قضيت 48 ساعة على ذلك الكرسي الحديدي الصغير للتحقيق، لم يسمحوا لي بتناول الطعام أو الذهاب إلى الحمام باستثناء بعض قطرات من الماء لأتمكن من استكمال التحقيق".
يقول: "بعد انتهاء التحقيق استندت إلى الجدران لأتمكن من السير بسبب الضغط الكبير الذي أحدثه الكرسي الصغير على العمود الفقري لدرجة أنني لم أشعر بالجزء السفلي من جسدي. عدت إلى الزنزانة واستلقيت على الفرشة القذرة ولم أستطِع مدّ قدماي لصغر مساحة الزنزانة".
مكث عبد الله في السجن عامين دون محاكمة، حتى صدر الحكم الأول باعتقاله مدة 22 عامًا. وبعد عدة مرافعات تم تخفيض المحكومية إلى 10 سنوات".
يتابع حديثه: "بعد معرفة الحكم أوشكت أن أفتقد نفسيتي (...) ففي بداية الأيام تجد صعوبة في التأقلم على تنفيذ الجدول اليومي للحركة الأسيرة، أدركت بمؤازرة إخواني الأسرى أنّ الأسر ليس بالجدران، فاستثمرت سنوات المحكومية بالحصول على شهادة الثانوية العامة، والتفقُّه بالأمور الدينية والاجتماعية، والالتحاق بدورات التلاوة والتجويد والفقه وغيرها".
وعن أول زيارة لوالدته إليه: "كانت بعد عام من الاعتقال، كنت شايل هم والدتي المثقلة بأمراض مزمنة، كيف ستتمكن من الوصول دون تعب، لم أنَم ليلتها من الهواجس وأنا أُجهّز ملابسي التي سأستقبلها بها، لم يحل دون شوقي إليها سوى ذلك الزجاج البارد، تحدثنا حديثًا غلبه البكاء"، وفق حديثه.
أوقات صعبة
في عام 2018 فجع عبد الله بوفاة والده، يومها بكى بشدة بسبب السجن الذي حرمه من لقائه لسنوات ومن إلقاء نظرة الوداع عليه وأخذ عزائه.
يستدرك قائلًا: "الجميل في الأسر أنّ مصاب الأسرى واحد، والعلاقة الأخوية قوية وجدية، لدرجة أنهم كانوا يمتنعون عن مشاهدة التلفاز لمشاركته حزنه، هذا عدا عن أنّ جميع الأسرى يقدمون واجب التعزية من الأقسام المختلفة، ومن لم يستطِع القدوم يرسل رسالة خطية".
ويذكر المحرر عبد الله أنّ فترات الحروب العدوانية على غزة كانت من أصعب الأيام التي عاشها، كل أسير يجلس على سريره وفي يده راديو صغير يستمع للأخبار، وبمجرد سماع خبر قصف في منطقة البريج يبدأ مَن حوله بالسؤال إذا ما كان المستهدف يقربه، ويهيئ نفسه لأسوأ الأخبار.
يقول عبد الله: إنّ الأسرى يعيشون على أمل إبرام صفقات تبادل فبمجرد أن يتداول الإعلام أخبارًا حولها، تسود أجواء من التفاؤل بلقاء قريب مع الأحبة خارج السجن.
انتظار الإفراج
في آخر 100 يوم عشت وضعًا نفسيًّا صعبًا، هذا إلى جانب تقصيري بواجباتي تجاه زملائي، كنت شارد الذهن، أعيش جسدًا في الأسر وروحًا خارجه، ومع ذلك كنت أحاول ألا تظهر فرحتي بالإفراج مراعاة لمشاعر أسرى المؤبدات، وما أن بقي على الإفراج 50 يومًا كان الأسرى يمازحونني: عبد الله رجل برة ورجل جوة قربت، أنت نام عند الباب ما بدك فرشة ولا حرام".
يقول عبد الله إنّ الأسير يفكر في كل لحظة منذ دخوله السجن بموعد الإفراج والحرية، يعد الأيام لذلك، ويحاول ألا يؤثر في حياته اليومية".
لحظة الإفراج نُقل إلى مكان آخر، وعندما سأل أحد الضباط عن السبب أجابه: "يمكن في قضية جديدة عليك"، حينها اجتاحت رأسه هواجس: "شو بده يسير بأمي يمكن تروح فيها، هذا ما فكرت فيه حينها.. وها أنا بين يديها".

