لمدة 25 يومًا 

تقرير في موسم العنب.. عائلة "دنديس" تتحول إلى خلية نحل

...
الخليل-غزة/ مريم الشوبكي:

تفوح رائحة العنب من الأواني النحاسية كبيرة الحجم، التي وضعتها نادية دنديس على الموقد، لتصنع منتجات عدة اعتاد فلسطينيو الخليل إعدادها في موسم موروثهم الثقافي والاقتصادي.

على مدار 25 يومًا يتحول بيت دنديس إلى خلية نحل، فبينما تتولى هي عصر العنب على المعصرة، تسند إلى زوجها مهمة الوقوف على النار لتحريك العصير، ويساعد أبناؤها الطبيب الجراح والمهندس والحداد في فرد الملبن على الألواح الخشبية، وحملها إلى السطح لتجفيفها.

توارثت دنديس تصنيع المنتجات القائمة على العنب كالدبس والملبن والخبيصة، والعنبية، عن حماتها منذ زواجها قبل ثلاثين عامًا، فقد تعلمت منها أصول وأسرار هذه الصناعة التي لا تزال تحافظ عليها رغم المشقة والتعب، فهي تذهب مبكرًا إلى كروم محافظة الخليل ذائعة الشهرة بمذاق عنبها الشهي مرورًا بغسله وتنقيته وفرزه وتصنيعه حتى يصبح منتجًا جاهزًا يباع في الأسواق.

تقول دنديس لـ"فلسطين": "في 20 من أغسطس من كل عام يبدأ موسم تصنيع العنب الخليلي ونستمر على مدار 25 يومًا فقط في العام، نبدأ مع ساعات الفجر بقطف العنب من الكرم الذي نمتلكه في منطقة حلحول، حيث يمتاز العنب في هذا الوقت بحلاوته العالية".

وتضيف: "أول ما نبدأ في تصنيعه الزبيب، حيث تتم إضافة الزيت والماء المعقم، وبيكربونات الصودا (الكربونة)، ويتم فرده على طاولات على السطح من 15 إلى 18 يومًا، حتى يصبح جاهزًا للتغليف والبيع".

بعدها تقوم دنديس بمساعدة زوجها وهو ساعدها الأيمن في عمليات تصنيع الملبن، والخبيصة، والعنبية، والدبس بأنواعه، حيث يتم وضع العنب بعد عصره في الأواني النحاسية ليغلي على النار لمدة تمتد لست ساعات متواصلة، مع التحريك المستمر.

وتشير إلى أنها قبل 10 سنوات كانت تصنع منتجات العنب على نار الحطب كما كانت تفعل حماتها، ولكنها اتجهت بعد ذلك إلى موقد الغاز وبالأواني ذاتها، "لأن عملية الطهي أنظف وأسرع".

الحُور والراووق والقريش

وتبين دنديس أنه تتم إضافة فتات من حجر الحُورْ الجبلي إلى عصير العنب وهو يغلي، إذ يعمل مصفِّيًا لعصير العنب كي يختزل الألوان غير المرغوبة في المنتج، ومن ثم يتم تجميع العصير في مصفاة قماشية (شاش) تعلق في مكان مرتفع وتترك ليُصفّى منها العصير بهدوء.

وتوضح دنديس أن السائل الناتج عن عملية تصفية الشوائب يطلق عليه "الراووق" الذي يكون ذا لون شفاف "مثل عين الديك" تحتفظ به في أوانٍ داخل "الفريزر"، وتعيد تصنيعه في فصل الشتاء حيث تصنع منه مربى السفرجل، وغيره من الأكلات الشتوية.

ولتصنيع الدبس، يتم وضع "الراووق" في قدر بعرض 80 سم، وعمق 20 سم، ويترك على نار هادئة مع التحريك المستمر حتى يصبح لونه ذهبيا لمدة تتراوح من ثلاث إلى أربع ساعات.

أما صناعة الملبن فتؤجل دنديس عملية عصر العنب الخاص به حتى تنتهي من تصنيع الدبس بعد فترة الظهيرة، حتى لا يتلف العصير مع ارتفاع درجات الحرارة.

وتشير إلى أن "الراووق" عامل مشترك في إعداد منتجات العنب مع بعض الاختلاف، فلصناعة الملبن تضيف دنديس مادة "القريش" والسميد، وبينما تطول عمليات غليان العصير ليصبح دبسًا، تمتد فترة غليان العصير لصناعة الملبن حتى 20 دقيقة فقط، ومن ثم يتم فرده على الطاولات على سطح المنزل ويترك في الشمس ليجف لمدة أربعة أيام.

أما الخبيصة التي لربما لا قد يعرفها الجيل الجديد، فهي خليط العنب قبل تصنيع الملبن منه، فقبل تجفيفه يؤخذ منه ما يكفي لأكل أيام معدودة، بعد تعبئته في أوانٍ معقمة وحفظه في الثلاجة لأنه يفسد بسرعة.

كما تصنع دنديس أنواعا عديدة من الزبيب منها: البلدي، والأحمر الباتوني، إضافة إلى صناعة الدبس الشمسي، حيث يوضع الدبس بعد تصنيعه في الشمس ليجف لمدة أربعة أيام ويصبح لونه صافيًا.

أما العنبية فهي حبات العنب المطهوة، حيث تترك حبات العنب على نار هادئة لمدة تتراوح بين 8 و9 ساعات، وتحرص العائلات على وجوده في مؤونة الشتاء، ويكثر المزارعون أكله في شهر فبراير إما بإذابة معلقة منه بكأس ماء، وإما خلطه باللبن الرائب وتغميسه، حيث تقي المزارع من ضربات الشمس، وتستخدم وصفة للطب الشعبي للتخلص من الصداع.

تقضي دنديس 16 ساعة في تصنيع منتجات العنب، ورغم المشقة تصف تلك الساعات بأنها أجمل ساعات حياتها لأن أبناءها وعائلتها يتجمعون حولها ويشكلون فريقا متكاملا كخلية نحل.

وعن كميات العنب التي تصنعها دنديس مع عائلتها، تقدرها بنحو 800 كيلو تنتج منها 70 كيلو ملبن وخبيصة، و120 كيلو دبس.

وتربط السيدة الخليلية سر الإقبال على منتجاتها بالشكل الذي يدفعها إلى إنتاج هذه الكميات الكبيرة من المنتجات العنبية، بإصرارها على استخدام الأواني النحاسية.

تبيع دنديس منتجاتها لتجار في الخليل، وأفراد في المدينة وخارجها يقدمونها في الغالب هدايا للمغتربين في الأردن، وتركيا، ولا سيما الدبس، والملبن.

وتتخذ عائلة دنديس من تصنيع المنتجات التراثية للعنب مصدرًا رئيسا للدخل لها، والأهم المحافظة على الموروث الفلسطيني المتمثل في الأكلات التراثية المصنعة بالطريقة التقليدية التي يحاول الاحتلال الإسرائيلي نسبها إليه.

المصدر / فلسطين أون لاين