الرئيس التشيلي ينتصر لدماء أطفال فلسطين

يوم الخميس الماضي  15 / 9 / 2022 وفي مشهد دراماتيكي لافت وغير مسبوق هز أركان الكيان الصهيوني الهش وأثلج صدور العديد من الشرفاء في أمريكا اللاتينية والمناضلين الأحرار في جميع أنحاء العالم وفي ذات الوقت أغضب وأثار حنق زمرة المنبطحين الأقزام اللاهثين خلف سراب التطبيع المذل كما ووضع شلة المطبعين في موقف محرج للغاية بعدما أقدم الرئيس التشيلي (غابرييل بوريك) 35 عام على رفض تسلم أوراق اعتماد السفير الإسرائيلي الجديد (جيل أرتزيالي) رغم وصوله إلى الموقع المخصص لمراسم اعتماده دون أي مراعاة من الرئيس الشاب للبروتوكولات الدبلوماسية الشكلية او التقاليد السياسية المزيفة

الغضبة الجامحة للرئيس التشيلي جاء ت بعد استشهاد الفتى عدي طراد هشام صلاح 17 عام برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال اقتحامها قرية كفر دان غرب جنين وقد سبق له ان كرر احتجاجاته على استمرار العادة القذرة لجيش الاحتلال الصهيوني بقتل الأطفال الفلسطينيين في قطاع غزة المحاصر والضفة الغربية المحتلة في الاثناء حاولت (تل ابيب) تجاوز الازمة وانهائها الا ان الرئيس بوريك ظل متمسكا بموقفه الصارم على أن يتم اعتماد السفير الإسرائيلي في تشرين الأول المقبل.

الرئيس التشيلي المنتمي للحزب الشيوعي هو أصغر رئيس في تاريخ تشيلي ويعد منذ فترة طويلة من اقوى مناصري القضية الفلسطينية العادلة حيث دعم استمرار مقاطعة البضائع الإسرائيلية من المستوطنات في الضفة الغربية وشرقي القدس ومرتفعات الجولان المحتلة كما اعتاد بشكل علني وصريح على انتقاد كيان الاحتلال ورفض ممارساته الاجرامية وسياساته العنصرية وهو سياسي نشط ومعروف على نطاق واسع بمواقفه المناهضة للاحتلال منذ ان كان نائب في البرلمان قبل وصوله لسدة الرئاسة.

خلال عدة مقابلات وخطابات معظمها عبر شاشة التلفزيون الرسمي العام وصف بوريك (إسرائيل) بالدولة القاتلة التي ترتكب مجازر الابادة الجماعية وما قام به مؤخرا شكل صفعة قاسية في وجه الاحتلال في أكبر حالة ازدراء واحتقار لمبعوث إسرائيلي اهدر فيها ماء وجهه ومرغت كرامته ليكون في هذا الموقف المشرف والشجاع رسالة واضحة ومغزى دقيق بان الزمان الذي كانت فيه تشيلي تعتبر (الفناء الخلفي للإسرائيليين) الذين كان لهم تأثير كبير في هذا البلد قد بدأ ينحصر ويتقلص وهو في طريقة الى العزلة والتراجع والتهميش

الجالية اليهودية في تشيلي بدورها هاجمت خطوة الرئيس التشيلي واعتبرتها حادث دبلوماسي خطير وإهانة مباشرة لصداقة عمرها أكثر من 70 عام وطالّبت الحكومة التشيلية بتصحيح موقفها فيما لعبت الجالية الفلسطينية في تشيلي دور مهم في إيصال هذا الرئيس الشاب إلى سدة الحكم وقد اعتبرت موقفه الأصيل والمتقدم تعبير صادق وعملي عن قناعات الشعب التشيلي الذي تجمعه بفلسطين علاقات تاريخية قديمة وحياة مشتركة عريقة حيث تستضيف تشيلي واحدة من أكبر التجمعات السكانية الفلسطينية خارج العالم العربي اذ يعيش فيها ما بين 300000 و500000 شخص من أصول فلسطينية.

بمتابعتنا للمشهد وتطوراته نجد انه من المؤسف جدا ان يكون اهتمام الرئيس التشيلي بقتل الجيش الإسرائيلي للأطفال الفلسطينيين أكبر قوة وتأثير من اهتمام سلطة رام الله التي لا زالت تستجدي الجلوس على طاوله لابيد كما فعلت مع نتنياهو من قبل في مجالات التنسيق الامني والتفريط بحياة المقاومين دون التفاتها العملي لقهر وقتل واذلال أبناء شعبها المنهك تحت الاحتلال.

الموقف النبيل والمشرف للرئيس التشيلي يأتي في توقيت (مخجل بل مخزي) يتهافت فيه بعض المسؤولين العرب على (إسرائيل) و يأخذوا كبار القتلة وعتاة المحرمين بالأحضان والقُبل ويوسعون استثماراتهم فوق ارض فلسطين المحتلة ويضعون إكاليل الزهور على نصب ما يسمى بالهلوكوست في القدس الشريف كما يعتزون (بإسرائيل) كدولة قادرة حسب وهمهم على إقامة شرق أوسط جديد يكون أكثر أمن وازدهار وفي جميع مواقفهم الخسيسة كانوا يتراقصون طربا ونشوة على جثث ودماء أبناء الشعب الفلسطيني وهم يصافحون القتلة والإرهابيين ويحتفلون معهم بعيد استقلال دولتهم المزعومة في (يوم احتلال فلسطين واعلان نكبتها)

بالتدقيق في حثيات قرار الرئيس التشيلي يبدو لنا واضحا خوف اللاهثين خلف الكيان الاسرائيلي على مصير الاتفاق الابراهيمي وخشيتهم من انهياره باعتباره كان الركيزة الأولى لصفقة القرن المشؤومة والتي سقط مع سقوط المجرم ترامب حيث بات ذلك السعي الرخيص أكثر أهمية لديهم من الأرواح الفلسطينية التي تزهق كل يوم بالجملة.

على جميع المتوهمين بالتطبيع (المنتهية صلاحيته وفاعليته) ان يعلموا جيدا انه مهما طال امده  ومداه سيسقط ويفشل وينهار لأن القضية الفلسطينية ستظل خالدة وستبقى حية في قلوب وضمائر الملايين حول العالم الذين ينبذون قتلة الاطفال الصهاينة وقد كان من الأفضل لزمرة المطبعيين ان يراجعوا حساباتهم وان يحركوا ضمائرهم ويعيدوا للقضية الفلسطينية زخمها واعتبارها بقطع العلاقة مع الكيان المحتل انتصاراً لقضايا التحرر والعدالة الإنسانية وعلى رأسها القضية الفلسطينية قبل فوات الأوان وحلول مواسم حصاد الآثام وحتى لا يلعنهم التاريخ والناس اجمعين الى ابد الآبدين.

السؤال المنطقي المطروح بقوة في هذا الإطار هل يكون في موقف الرئيس التشيلي الأخلاقي والمبدئي فرصة أخيرة ليصحوا المطبعين العرب من سباتهم العميق ويرفعوا الغشاء عن اعينهم ويرموا اتفاق التطبيع في أقرب حاوية مهملات وبعدها يدركوا مدى شناعة الخطأ الاستراتيجي الذي اقترفوه بالتزامهم التأييد في العلن والخفاء والتغطية الممنهجة على جرائم الاحتلال المتواصلة بحق الفلسطينيين.

ياللعجب والسخرية بالله عليكم ماذا بقي للمفرطين بحقوق الامة ومقدساتها بعدما أصبحوا عالقين في النفق المظلم ودفعوا أثمان غالية لقاء هذا الانبطاح المجاني والمخزي في وقت تتصاعد فيه الإمكانيات الهائلة لفصائل المقاومة الفلسطينية وهي تخوض معركتها المصيرية مع كيان الاحتلال بعدما كشف الواقع من جديد عن اضطرابه ووهنه الداخلي وعظّمت الآمال بقرب استئصاله باعتباره سرطان خبيث من المنطقة.

جميع الشرفاء والاحرار في العالم يأملون من الحكومة التشيلية تعزيز هذا الموقف العظيم بقطع العلاقات مع كيان الاحتلال بشكلٍ كامل وطرد السفير الإسرائيلي من البلاد كتعبير شمولي وفاصل بالوقوف الكامل إلى جانب القضية الفلسطينية ومناصرة قيم العدالة والحرية ليظل الاحتلال الإسرائيلي جسماً غريبا ومنبوذاً في كل اقطاب الأرض باعتباره كيان استعماري واستيطاني ونظام فصل عنصري بغيض يغتصب أرض شعب آخر ويمارس ضده أبشع جرائم الاغتصاب والاعتداء وقتل الأطفال وانتهاك حقوق الإنسان على نطاق واسع.

الرئيس التشيلي بوريك البطل المقدام الجريء والشجاع ولد في شباط 1986 بمدينة بونتا أريناس في أقصى جنوب البلاد وهو سياسي شاب تزعم جمعية طلاب جامعة الحقوق بتشيلي قبل أن يقتحم عالم السياسة في 2013 ويشارك في الانتخابات البرلمانية كمرشح مستقل ورغم صغر سنه انتخب عضوا في مجلس النواب عن منطقة ماغالانيس والقطب الجنوبي التشيلي الى ان تسلم رئاسة البلاد.

من الجدير بالذكر والتذكير انه منذ مطلع العام الجاري استشهد 149 فلسطينيا برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي بينهم 98 شهيدا في المحافظات الشمالية و51 شهيدا في قطاع غزة غالبيتهم من الشباب والفتية والأطفال.

أخير نصدح بقلوب صادقة وعزيمة متوقدة (بوركت سيادة الرئيس بوريك) نرفع لك القبعات ونقدم التحية ونعلي بموقفك لمشرف الهامات اكبارا وفخارا ومحبة واعتزاز لشخصك الكريم وبلادك الحرة وفي أنفسنا حزن عميق وانكسار كبير بعدما خذل (ابناء ديننا وعروبتنا) القدس والاقصى وشعب فلسطين المضطهد وهم يشحذون سكاكين الاحتلال بمواقفهم الغادرة ليمدوه بالشرعية المصطنعة ليقتل الرجال والنساء وفلذات الاكباد (الأطفال والفتية) ظلما وعدوانا وغطرسة.

لتروي دمائهم الزكية بشموخ وعزة ثرى فلسطين المغتصبة العاشقة للشهادة واجساد الشهداء البررة وخالص الحديث واخره الا لعنة الله على الظالمين المستكبرين والخزي والعار للمستسلمين والمطبعين المتآمرين على شعوب الامة وقضاياها العادلة وفي مقدمتها قضية فلسطين المركزية.

المصدر / رأي اليوم