تصاعد المقاومة في الضفة.. الدوافع وإرهاصات الثورة

سبع عمليات فدائية مسلحة نفذها مقاومون فلسطينيون ضد جيش الاحتلال ومستوطنيه خلال أربعٍ وعشرين ساعة في الضفة المحتلة، أسفرت عن إصابة أحد عشر جنديًّا ومستوطنًا، بعضهم إصابته خطرة في تصعيد ملموس في عمليات المقاومة التي أضحت متنوعة بين إطلاق نار، وإلقاء عبوات، وعمليات دهس للجنود، في مشاهد ميدانية باتت تهدد أمن جيش الاحتلال، وتعيد إلى الأذهان مشاهد انتفاضة الأقصى التي انطلقت قبل أكثر من عقدين من الزمن، ما يشكل تهديدًا مباشرًا لمخططات حكومة الاحتلال بالتوسع الاستيطاني المتصاعد في مناطق الضفة والقدس.

تصاعد عمليات المقاومة يمثل ردًا طبيعيًا على عدوان الاحتلال المتواصل ضد الشعب الفلسطيني ومخططاته الاستيطانية في الضفة، وتكثيف إجراءاته لتهويد القدس والمسجد الأقصى، وجرائمه المتصاعدة ضد المدنيين الفلسطينيين، فبحسب إحصائية نشرها مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية "شمس" قبل أيام، قتل جيش الاحتلال منذ مطلع عام 2022 مائة وأربعين شهيدًا فلسطينيًّا، من بينهم سبعة وثمانون شهيدًا أعدمهم بدم بارد في الضفة المحتلة، وثلاثة وخمسون شهيدًا قضوا بفعل قصف الطائرات الحربية الإسرائيلية لمنازل الفلسطينيين والأعيان المدنية في غزة.

من ناحية أخرى فإن تصاعد عمليات المقاومة في الضفة المحتلة مؤخرًا، بات حديث الساعة في الإعلام العبري، حيث ذكرت قناة "ريشت كان" العبرية، أن عدد عمليات إطلاق النار في الضفة وصل منذ بداية عام 2022 إلى (60) عملية، وهو رقم قياسي مقارنة بالفترة ذاتها في السنوات الماضية، إضافة إلى اتساع النطاق الجغرافي للعمليات على امتداد مساحة غالبية المدن والبلدات في الضفة والقدس، ووصول المقاومين إلى مناطق كان يتوهّم الاحتلال أنها آمنة للمستوطنين، وهي دلائل على هشاشة المنظومة الأمنية والعسكرية لجيش الاحتلال، وتراجع سيطرته الميدانية على مناطق واسعة في الضفة والقدس، وفشل نظرية الردع التي يعتمد عليها جيش الاحتلال في توقّع أو منع وقوع عمليات مسلحة، وهي أحداث متسارعة تنبئ بمرحلة جديدة من العمل الثوري الفلسطيني نجحت المقاومة في جعله واقعًا ملموسًا في الشارع الفلسطيني. 

العديد من العوامل الميدانية ساهمت في تصاعد العمليات المسلحة التي تنفذها المقاومة الفلسطينية، فهي تأتي في ظل انتهاكات إسرائيلية متصاعدة جاوز تعدادها (3013) انتهاكًا في الضفة والقدس، بحسب تقرير أصدره مركز المعلومات الفلسطيني "معطي"، إضافة إلى محاولات إسرائيلية متطرفة لكسر الخطوط الحمراء فيما يتعلق بمشاعر المسلمين تجاه المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية في القدس، حيث دأب الاحتلال مؤخرًا على استفزاز مشاعر الفلسطينيين من خلال تكثيف اقتحامات مستوطنيه للمسجد الأقصى بلباس الكهنة والحاخامات، ونفخهم الأبواق اليهودية، وتدنيسهم حرمة أولى القبلتين من خلال نشرهم صورا فاضحة في باحات الأقصى، حيث تتم جميع الاقتحامات التهويدية للمسجد بحراسة جنود الاحتلال المدججين بالسلاح، في مشاهد تقشعر لها الأبدان، وتدفع الشباب والعوائل الفلسطينية إلى بذل أقصى الجهود للدفاع عن المقدسات بكل ما تصل إليه أيديهم من وسائل وأدوات كفاحية ونضالية، وليس أدلّ على ذلك من اتهام جيش الاحتلال لأب فلسطيني وابنه وابن أخيه بتنفيذ عملية الأغوار البطولية، ما يعني أن الفلسطينيين باتوا يرون في تدنيس حرمة الأقصى دافعًا وحافزًا يدفعهم للدفاع عن حرمة المسجد الأقصى وتصعيد المقاومة المسلحة ضد الاحتلال.

ترهّل قيادة السلطة الفلسطينية، وفشل البرنامج السياسي لمحمود عباس في تحقيق أي إنجازات وطنية ملموسة ولا سيما دحر الاحتلال وبناء الدولة، أو تحرير الأسرى وعودة اللاجئين، وتصاعد الصراعات التنظيمية العميقة داخل حركة فتح، التي باتت قواعدها التنظيمية لا تؤمن بخيار التسوية المهين الذي تتمسك به قيادة السلطة، ولا تقتنع بكفاءة الشخصيات التي يتوقع لها أن تخلف عباس في الحكم، إضافة إلى تراجع سطوة أجهزة السلطة الأمنية بفعل حالة الغضب التي تعتري الشارع الفلسطيني، وتصاعد الرفض لسياسة الاعتقال السياسي، والتضييق على الحريات الشخصية والعامة في الضفة، جميعها عوامل أسهمت في استنهاض الروح الوطنية في الشارع الفلسطيني، وتوحّد المقاومين الفلسطينيين تحت راية المقاومة رغم اختلاف طيفهم السياسي في الضفة المحتلة، فجميعهم يؤمنون بخيار البندقية في مواجهة الاحتلال ومستوطنيه، وهي إرهاصات تبشر بخير كثير مع كل عملية مقاومة تنجح في رفع كُلفة الاحتلال، ومع كل محاولة تعزز من تمسك الشباب الفلسطيني بالمقاومة ومبادرتهم للدفاع عن أرضهم وقضاياهم الوطنية التي فشلت قيادة السلطة في حمايتها.

ونحن إذ نبشر بإرهاصات ثورة فلسطينية نراها تشتعل في الضفة المحتلة، ونقدّر أن وأدها أو إطفاء جذوتها بات يصعب على جيش الاحتلال وأجهزته الأمنية، فإننا لا نغفل قضية الأسرى في سجون الاحتلال باعتبارها من أبرز العوامل المؤثرة في الشارع الفلسطيني، وهي أحد عناصر القوة التي نجحت سابقًا، وما زالت تمتلك قدرة كبيرة على تحريك الشارع الفلسطيني، وتعزيز وحدة الفلسطينيين تحت راية المقاومة، واعتمادهم خيار الكفاح المسلح وسيلة لمواجهة الاستيطان، وتحرير الأسرى من السجون، ودحر الاحتلال عن القدس وفلسطين في قادم الأيام.

وختامًا فإننا ندرك أن للثورة الفلسطينية أعداء كثيرين داخليًّا وخارجيًّا، وجميعهم سيتَّحدون مع الاحتلال في محاولة مستميتة لوأد الثورة التي تتقد جذوتها شيئًا فشيئًا مع مرور الأيام، وجميعهم يسعى للحفاظ على مصلحة شخصية، أو تقديم قربات الطاعة والولاء لكيان الاحتلال، إلا أننا نؤمن بأن الجيل الفلسطيني الحالي شَبَّ على طوق الخوف والخضوع للاحتلال، وأنه بات مستعدًا لتقديم المزيد من الصور المشرقة للنضال الفلسطيني الممتد على مدار أكثر من مئة سنة عاشها الفلسطينيون تحت الاحتلال، فمن يقرأ واقع الشعب الفلسطيني اليوم يدرك أن ثوار فلسطين من هذا الجيل باتوا على أتم الاستعداد لتقديم التضحيات فداءً للأرض والوطن، وأنهم متمسكون بالدفاع عن حرمة أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين شاء الاحتلال أو أبى.