الاعتقال السياسي ومسلخ أريحا

خرج إلى النور ‏الطفل كرم أحمد هريش ليبصر الشمس وهو المولود الأول لوالده الذي لم يرَ الشمس منذ أشهر بعد أن اعتقلته الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية، وزجت به في غياهب السجون دون أي تهمة سوى الاشتباه بأنه يخطط لمقاومة الاحتلال، وهي التهمة التي تطال ما يتجاوز 60 شابا فلسطينيا يقبعون تحت سياط التعذيب ومغيبين وراء الجدران فيما يعرف بمسلخ أريحا سيئ السمعة والصيت ويدار بما تسمى اللجنة الأمنية المشتركة التي تشرف عليها الولايات المتحدة مباشرة، وتعتقل وتلاحق الذين يتهمهم الاحتلال بتنفيذ أنشطة لعمليات ضد الاحتلال في الضفة الغربية.

‏كرم هو نموذج لعشرات الأطفال الذين يعانون غياب الآباء في سجون السلطة في الضفة الغربية المنتشرة من الشمال إلى الجنوب، التي تركز على اعتقال كل من يعارضها سياسيًا، وتعرضهم للتعذيب الشديد وفقًا لتقارير المؤسسات الحقوقية التي نشرت شهادات خطيرة تتعلق بكيفية اعتقال هؤلاء الشبان ثم نقلهم إلى مسلخ أريحا أو تسليمهم إلى الاحتلال الإسرائيلي، وبثت فيديوهات تثبت استخدام سياسة الباب الدوار، بتسليم شباب فلسطينيين من الاحتلال الإسرائيلي للسلطة لاستمرار اعتقالهم لديها، أو العكس، فبعد الإفراج عنهم بساعات يتم اقتحام منازلهم واقتيادهم إلى سجون الاحتلال الإسرائيلي.

‏ما تقوم به الأجهزة الأمنية في الضفة هو في سياق العقيدة الأمنية التي تم بناؤها منذ عام 2007 القائمة على ملاحقة كل من يفكر أو يحاول أو يخطط لتنفيذ أعمال مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي أو حتى عبر الدعوات والتحريض على القيام بعمليات ضد الاحتلال أو انتقاد أداء السلطة ودورها في التنسيق الأمني والتخلي عن المسؤوليات في حماية المواطن الفلسطيني كما حدث في اغتيال الناشط والمعارض نزار بنات قبل ما يزيد على عام.

أمس كان نموذج آخر للاعتقال السياسي بل الاغتيال السياسي كما حدث مع أحد قادة شهداء الأقصى -محمد أبو ذراع، الذي لاحقته الأجهزة الأمنية ومحاولة اعتقاله، ما أدى لإصابته، وهو أحد أهم المطلوبين بعد الشهيد إبراهيم النابلسي للاحتلال الإسرائيلي الذي يسعى للوصول إليه بكل السبل. وحاول سابقًا اعتقاله واغتياله لكنه أخفق في ذلك.

‏السلطة لا تنكر جهدها في ملاحقة مثل هؤلاء الشبان وهناك قائمة تتضمن 70 شابًّا فلسطينيًّا مطلوبين للاحتلال الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية بتهمة مقاومة الاحتلال ضمن سياسة التنسيق الأمني المتفق عليها، وهنا تنتقل للسلطة من مربع تبادل المعلومات إلى مربع تبادل الأدوار بين الاعتقال والتعذيب في السجون السلطة أو الاحتلال، بل الذهاب أكثر من ذلك بملاحقة هؤلاء الشبان لمحاولة اعتقالهم أو اغتيالهم كما حدث مع محمد أبو زهران.

‏قبل ذلك تعرض الشهيد لنفس الأمر وتمت مطاردته وإصابته واعتقاله من قبل السلطة واحتجازه في سجن أريحا وتعذيبه ثم قامت إسرائيل بعد أيام بإطلاق النار وملاحقته واغتياله.

السياسة المزدوجة تجاوزت مفهوم الاعتقال السياسي إلى مفهوم القتل المتعمد المشترك بين أجهزة الاحتلال الأمنية وأجهزة السلطة الأمنية في تكامل الأدوار وانتقال مفهوم الاعتقال السياسي إلى مفهوم التغييب لكل من يقاوم الاحتلال أو ينتقد ممارسات السلطة في الضفة الغربية.