المزاج الإسرائيلي والتطرف

كلما أبدى العرب ضعفاً، أبدى الإسرائيليون قوة، وكلما مال العرب نحو السلام، مال المجتمع الإسرائيلي نحو الحرب، وكلما ترققت قلوب العرب، قست قلوب الصهاينة، وكلما طلب العرب الهدوء والدعة، طلب الصهاينة التطرف والعنف، هذه المعادلة العكسية لا تحتاج إلى دروس التاريخ لتأكيدها، ولا نحن بحاجة لقراءة الجغرافيا السياسية للتحقق منها، هذه المعادلة تطل برأسها صباح مساء، من خلال الفعل الميداني الإسرائيلي، ومع كل تصريح وموقف صهيوني متطرف، يحاكي الواقع، وينعكس عليه.

ولو رجعنا سنوات قليلة إلى الوراء، لاصطدمنا بالحقائق المُرة، فحين عرضت الدول العربية مبادرتها للسلام مقابل الأرض، تخلت )إسرائيل( عن السلام مع الفلسطينيين كلياً، واحتفظت بالأرض، وحين جنحت بعض الأنظمة العربية إلى التطبيع مع دولة الكيان، ركب الإسرائيليون رأسهم، وشطبوا تسوية القضية الفلسطينية من حساباتهم، وقيدوها في السجون، وحين مدت السلطة الفلسطينية يدها لمجرد اجتماع، أو لقاء، أو حتى بيان يدعو إلى قيام "دولتين"، أصدرت قيادة الاحتلال البيان تلو البيان، وكلها ترى بالحل الاقتصادي طريقاً، فلا حلول سياسية، ولا حتى لقاءات وهمية أو شكلية، فالقضية الفلسطينية تمت تسويتها على الأرض بالقوة.

هذا التطرف ليس عناداً إسرائيلياً، وهذا الكبر ليس غباءً سياسياً، هذا التطرف استجابة غريزية للواقع، فالصهاينة يقرؤون ما يدور حولهم جيداً، ويستخلصون العبر، ويصلون إلى النتائج اعتماداً على المقدمات، وفي أيديهم السلاح، ولديهم الدعم الأمريكي، لذلك يصيبهم الغرور بين فترة وأخرى، غرور ينعكس على استطلاعات الرأي التي تحاكي مزاجاً ينحرف باتجاه التطرف، مزاج صهيوني لا يرى حلاً إلا من خلال قذيفة يصوبها متطرف إلى رأس الفلسطينيين.

آخر استطلاعات الرأي في (إسرائيل) تشير إلى تقدم حزب "يش عتيد" بزعامة رئيس وزراء الاحتلال الحالي يائير لابيد، فبعد أن كانت استطلاعات الرأي تعطي الحزب 20 مقعداً قبل ستة أشهر، أعطت استطلاعات الرأي الحزب 25 مقعداً هذه الأيام، في تقدم ملفت، لم يتوقعه الحزب نفسه، والسبب يرجع إلى قرار الحرب على غزة، الذي وقعه لابيد، وقرار اقتحام نابلس، واغتيال بطل المقاومة إبراهيم النابلسي، قراران متطرفان جرفا المجتمع الإسرائيلي إلى المزيد من التطرف، في رسالة تقول: صوت الناخب الإسرائيلي  لمن يعلي صوت الرصاص على صوت التفاهمات، ولمن يؤيد الحرب على السلام، ولمن يتعامل مع العرب على أنهم فائض أحمال، ولا مواجهة معهم إلا بمزيد من القوة إن لم يفهموا لغة القوة.

المجتمع الإسرائيلي بحاجة إلى صدمة تكسر هذه الصلف والغرور، بحاجة إلى أمة تشفق على مستقبلها قبل أن تشفق على حاضرها، فالصهاينة جنحوا إلى التطرف والعنف بعد أن اطمأنوا على رؤوسهم، وأمِنوا حياتهم، فإذا اصطدموا بالصخرة التي تهشم أنوفهم، وتكسر ظهورهم، وتشل قدرتهم، فوقتئذٍ سيعشقون السلام، ويلهثون خلفه، بما تبقى لهم من قوة.