لماذا يقتلنا الإسرائيلي؟ سؤال الهدف والواجب

بعد أن فرغ الاحتلال من قتل 45 فلسطينيًّا بينهم 15 طفلاً في قطاع غزّة، انتقل ليقتل ثلاثة فلسطينيين في مدينة نابلس. لا جديد في ذلك كلّه، ففي الشهر المنصرم استشهد ثمانية فلسطينيين، منهم السيدة المسنّة سعدية فرج الله التي توفيت في سجون الاحتلال، وكتبتُ عنها المقالة الموسومة بـ"موت سعدية فرج الله لا يثير الجدل"، ومنهم المسنّ حسين حسن القواريق الذي قتله الاحتلال على بعد مئة متر من حاجز حوارة قرب نابلس، ومنهم الفتى أمجد نشأت أبو عليا، من قرية المغير شرق رام الله. هؤلاء الثلاثة على الأقل لم يحملوا سلاحاً، ولم يطلقوا رصاصاً.

إذا كان المستعمر الغازي قد أسّس لغزو هذه البلاد، بمقولة زعمت خلوها من الناس، فلا بدّ له، وقد وجدها معمورة بالناس، أن يسعى لتحقيق تلك المقولة، فشرّدَ أكثر أهلها، وجعل بقيتهم في جحيم، يفتح منه لبعضهم تشريداً "طوعيّاً" ويُبقي الموت، قهراً أو قتلاً، مآل الباقين. يمكنك ألا تحمل سلاحاً، وأن تعتزل النشاط السياسي، وأن تتجنب الانتماء التنظيمي، ولكن لا يمكنك بذلك أن تضمن الخلاص من القهر الإسرائيلي، ولا يمكنك إن فرضتَ ذلك على أبنائك أن تضمن حمايتهم من الموت قتلاً على حاجز إسرائيلي.

في الأمثلة الثلاثة لشهداء الشهر الماضي، وجدنا الإسرائيلي يحاصر الفلسطيني بالموت في كل مكان، فإنْ سَجَنَك فقد يقتلك بإهماله علاجك، أو بقهرك إن لم تكن مريضاً، وإن اضطررت لقطع الحاجز (وهو ما يضطر إليه الفلسطينيون كلهم) فإنك لا تدري إن كان الجنديّ المختبئ خلف مكعبه الإسمنتي، أو من برجه، قد قرّر أن يجعلك صيد تسليته.

ما تبتكره السينما الأمريكية عن تسلي الأثرياء بألعاب يصطادون فيها الفقراء كما في فيلم "The Hunt" يفعله الإسرائيلي حتى دون أن يكون ثريّاً، المشترك هو الشعور بالتفوق والجدارة على أساس معايير يُحتقَر من لا يملكها. فإذا كانت فلسطين أرضاً بلا شعب لشعب بلا أرض، فالشعب القادم من خارجها الجدير بها كيف له ألا يرى أهلها إلا وهماً أو محض إزعاج يُشرع التخلّص منه؟ أمّا إن قررت البقاء في قريتك، فلسبب ما سوف يقتحمها، ويطلق الرصاص، فتكون إحدى "فرائسه" كما جرى للفتى في قرية المغير.

هذه يوميّات فلسطينية، منذ الانتداب البريطاني و"نمردة" الاستيطان الصهيوني في ظلّه. يوميّات فيها كلّ الحقائق الجديرة بوضع حدّ لهذا السرف في الهذر والكلام الفائض. إن كان الأمر كذلك، فهل حقًّا ضيّع الفلسطيني يوماً فرصة سلام؟ وإن كان الأمر كذلك، هل يَترُك الإسرائيليُّ الفلسطينيَّ حتى لو تركه الفلسطينيُّ؟ وإن كان الأمر كذلك، هل يخطئ الفلسطينيُّ حينما يقاوم الإسرائيليَّ؟ وهل يملك الفلسطيني المقهور في الأحوال كلّها، المقتول في الأحوال كلّها، إلا أن يقاومه؟ ولو خان التكتيك الفلسطيني مرّة أو حيّرته الإستراتيجية وهو يقاوم عدوَّه، فهل هذا هو الخطأ الأصلي والجوهري؟!

في اقتحام الاحتلال نابلسَ صباح الثلاثاء (9 آب/ أغسطس) لاغتيال المقاومين إبراهيم النابلسي وإسلام صبح، قتل معهما الفتى حسين جمال طه. يأبى الاحتلال إلا أن يؤكد أن المستهدف بالموت هو الفلسطيني لمجرد فلسطينيته. هو لا يؤكد، بل هو يمارس عادته، ويومياته، وأفكاره، ويفيض بمعنى وجوده الحتميّ في بلادنا، وهو موتنا وقهرنا.

هذا موقف الاحتلال من الفلسطيني، لأنه الناقض لأوهامه المؤسّسة لوجوده، فكيف إن حمل الفلسطيني السلاح، أو تحدّاه على أيّ نحو من التحدي؟

سوف ننشغل في نقاشات التكتيك والإستراتيجية، في بحث العدوان الأخير على غزّة. العدوّ سمّاه "بزوغ الفجر"، عنوان الحملة المعادية كاشف لكلّ أهدافه، وهو كشفٌ كافٍ لتهذيب تلك النقاشات. العدوّ، بكل ما وُصِف به في تاريخه، من مكر وخديعة، هو صريح كذلك، ووقح، لا يخفي أنّه لا فجر له بوجودنا، وأن ثباتنا السدّ الوحيد أمام بزوغ فجره.

في المقابل، رفعت "سرايا القدس" عنوانها الخاصّ للمواجهة "وحدة الساحات"، ومهما كان الذي تريد قوله من ذلك، فعنوانها يقول في الوقت نفسه إنّ الفلسطيني من حيث هو، وأينما كان، هو المستهدف. في الحقيقة مهما بدت لنا اختلافاتنا، ومهما تنوعت، وبعمق ظروفنا بين ساحاتنا، فعدوّنا يرانا شيئاً واحداً، يرانا فلسطينيًّا واحداً يحول دون بزوغ فجره!

نقاش التكتيك والإستراتيجية ليس مهمًّا فحسب، بل هو ضروريّ، لكنه محض هذر، وتعبيرات مَرَضِيّة، إن لم ينهض على إدراك حقيقة العدوان القائم بالفعل في جوهره، والمحتمل في كلّ لحظة في مستواه العسكري المباشر. فإذا كان الفلسطيني من حيث هو مستهدفاً، فإنّ العدوّ لن يكبح طويلاً عدوانه عن حالة مقاومة تراكم قوّتها وتطوّر نفسها باستمرار في جنوبي فلسطين.

أسئلة تفويت الفرصة، والأولى في إستراتيجية المقاومة، ينبغي أن تلاحظ أن العدوّ لن يترك حالة المقاومة هذه في حالها، وأنّ لديه سياسة معلنة إزاءها يسمّيها "جزّ العُشب"، وأنه لاحظ قفزتها بين عدوانَيْه في 2014 و2021، وأنّه سيعمل على تجريدها من إنجازها المعنوي في 2021. بعد ذلك يدور النقاش، حول الإستراتيجية المقابلة وآليّاتها. عند إدراك أهداف العدوّ، ووحدة الحال في مقابله في نهاية الأمر، يسقط أكثر من نصف التلاوم الداخلي، وما تبقّى نقاش لتحسين القدرة على القيام بالواجب.