يمشي منكسرًا، ملامح وجهه باهتة والحزن يحفر مخالبه فيه، عيناه تبكيان بحرقة ويسنده اثنان من أقاربه، يجلس على كرسي بلاستيكي في بيت العزاء وبجواره اتكأ رأس زوجته "أم خليل" على كتفه، يواسيان بعضهما بعضًا، يحدقان بصمتٍ في فضاء البيت الممتلئ بالمعزين، بعدما فقدا ابنهما الوحيد "خليل أبو حمادة" الذي كان على موعد لإيقاد شمعة ميلاده التاسعة عشرة الشهر المقبل.
شاب في مقتبل العمر، وحيد والديه اللذين انتظراه اثني عشر عامًا، وربياه ثمانية عشر عامًا وأحد عشر شهرًا، تحفظ أمه عمره بالسنة والشهر واليوم والساعات، فقد كان حلما لوالديه حتى أضحى حقيقة وترعرع من "حبات عيونهما" حتى جاءت الصواريخ الإسرائيلية الغاشمة لتنهي القصة والحلم.
يجلس والداه ولا أبجدية تسعفهما أمام مصابهما، تتبعثر الحروف ويعتصر قلبيهما ألمًا، وتهرب الكلمات أمام بشاعة الجريمة، عدة محاولات للكلام لم تنجح، فلا شيء يمكنه التعبير فيهما سوى عيونهما التي اتسعت بما يكفي لحمل وجع يلتصق بعمرهم القادم.
لحظات المجزرة
تمالكت "أمه" نفسها وتمكنت من حبس دموعها وهي تقول لصحيفة "فلسطين: "أحضر لنا العشاء، ثم نادى على ابن عمه وخرجا إلى الشارع، وما هي إلا ثواني معدودة حتى سمعنا صوت انفجار، خرجتُ مذعورةً فوجدته ملقىً على الأرض بلا أي حركة، وحوله أطفال وأشلاء ممزقة، شهداء وإصابات، والناس ملقاة على الطريق، كانت فاجعة ومجزرة".
والدته نجوى أبو حمادة (45 عامًا) حصلت على وظيفة "قابلة" بوزارة الصحة قبل شهر، فكانت فرحة "خليل" أكبر من فرحتها، تستذكره وقد جاءها سعيدًا يمازحها "الآن ثبتت الجيزة يمَّا"، فوعدته بأن تهب كل راتبها لزواجه، وأن تذبح له عجلا كما طلب منها ويتصدقون به، وتضم أحفادها بين يديها "كنت أتشوق لهذه اللحظة، كنت أحمد الله كلما كبر عاما حتى صار شابا".
ذرفت كل دموعها وهي تعانق جثمانه عندما أحضروه لتلقي عليه نظرة الوداع الأخيرة، تطلب منهم أن يمنحوها المزيد من الوقت لتخزن رائحته وصورته الأخيرة، حتى حمل المشيعون الجثمان وغادروا به.
أنيس الوحدة
صوتها يتمزق من الألم وينزفُ حزنًا وهي تعاتب زوجها: "ليتني زوجته، كان الأخ والحبيب، والابن والصاحب، عوضنا الله به وملأ علينا الدنيا، كنت مكتفية به، يؤنس وحدتنا".
كان الكلامُ ثقيلا وهو يرافق صوت والده، صوتٌ مبحوح خافت سلب الحزن صلابته وهو يتحدث عن المشهد الأخير: "كانت أمه في عملها بالمشفى، وجاءني يسألني: ايش بدك تتعشى يا حج، فقلت له: اللي بدك إياه يا ابني، وما هي لحظات حتى دخلت أمه المنزل، فذهب واشترى من محل المأكولات الشعبية عشاءً، وجلسنا على طاولة واحدة، كعادته كان يداعبني ويقرص وجنتي وكأنني أنا طفله، ويسرق اللقمة من فمي ممازحًا ومن أمه، ووعدني بأن يعزمني في اليوم التالي على طعام الغداء".
مسح "أبو خليل" دموعه التي اختلطت مع قطرات عرقٍ بللت هامته، تتحرك في عينيه بقية المشهد: "تعالت في الخارج أصوات الجيران، فقال لي أحدهم: الأطفال يلعبون فوق سيارتك، فخرجت من البيت وقبل أن أصل السيارة حدثت المجزرة".
يستذكر أيضا "كنت سأزوجه عندما بلغ السادسة عشر، بنيت له شقة وجهزتها تدريجيا، وبدا الوقت مناسبا لزواجه حتى قتل الاحتلال حلمنا وسرق خليل منا".
عندما وضعت الممرضة وليده الوحيد بين يديه، شعر وكأنه أمسك العالم كله، لم تسعه الفرحة، لكن الاحتلال حرمه منه وأسره عامين، تتجذر التفاصيل بذاكرته عن لحظة الإفراج عنه: "عندما تحررت، رأيته قد كبر وأصبح عمره سنتين، ثم ترعرع أمام عيني، تعلق فينا وتعلقنا به، ملأ حياتنا سعادة، وبكاه معسكر جباليا، فالجميع يحبه".
تدرك أمه أن المنزل سيزداد وحشةً، وأنه بلا "خليل" سيصبح خاليًا، خاصةَ في كل مرة ستفتح باب غرفته وتجد سريره فارغًا، ستتجدد ذكريات كثيرة، وتتحرك مشاهد عديدة أمامها، أو عندما تفتح خزانته وتقرب ملابسه لتعانقه وتشتم رائحتها، لم يبقَ من خليل إلا صورة ستعلق على جدران المنزل.

