تقرير الطفل نظمي.. قضى شهيدًا وهو يسقي قبر أمه

...
دماء الأطفال الشهداء على قبور مقبرة الفالوجا
غزة/ فاطمة الزهراء العويني:

على وقع صدمة استشهاد ابن شقيقتها "نظمي عزيز" وضعت زوجة فايز أبو كرش مولودها وسمتّه باسم الشهيد تيمنًا به، آملةً أنْ يكون خير خلف لخير سلف، لكن القدر لم يمهلها طويلًا فتُوفّيت في إثر جلطة مفاجئة لتترك نظمي الصغير "يتيمًا".

ورغم العناية التي أولتها له زوجة أبيه وأشقائه إلا أنه ظلّ دائم الحنين لوالدته، يمكث وقتًا طويلًا قرب قبرها في مقبرة الفالوجا في مخيم جباليا يتحدث إليها ويناجيها ويسقي قبرها بالماء كلما استبدّ به الشوق إليها.

ولم تكن عائلة أبو كرش تتخيل يومًا أنْ يرتقي نظمي (16 عامًا) شهيدًا وهو يمارس عادته المعهودة في زيارة قبر والدته التي توفيت في عام 2018م وكأنه هرب إليها يبث مخاوفه كطفل من هول العدوان الإسرائيلي على غزة، والضغط النفسي الكبير الذي تسبب به له ولأقرانه، فباغته ومجموعة من أصدقائه صاروخ من طائرة استطلاع فلاذوا بالهرب إلا أنّ طائرات الاحتلال أسقطت عليهم صاروخًا آخر قطّع أجسادهم.

والشهيد أبو كرش له خمسة من الأشقاء وستة من الشقيقات –وِفق عمه مدير عام العلاقات العامة بوزارة شؤون الأسرى والمحررين بغزة صابر أبو كرش - ومن أسرة فقيرة الحال حيث يعمل والده عاملًا في مخبز، وكان يتلقى تعليمه في مدارس المخيم.

يقول صابر: "كان نظمي يسقي قبر والدته بالماء ويقرأ الفاتحة لها هو وصديقه الشهيد محمد نجم، عندما باغتته هو ومجموعة من أطفال المخيم صواريخ الاحتلال فأودت بحياته هو وأربعة من الأطفال الآخرين".

قتل حلمه

كان "نظمي" يحلم بأن يتمكن في المستقبل من أن يغير واقع حياتهم البائس اقتصاديًا، فقد كان متفوقاً في دراسته دمث الأخلاق، يتنافس وأقرانه على حفظ القرآن في مسجد النور بالمخيم ويشهد له الجميع بحسن الخلق والتربية الصالحة، لكن صواريخ الاحتلال لم تمهله طويلاً.

كان وقع الصدمة على عم نظمي كبيراً، حيث كان قد أجرى اتصالاً هاتفياً مع شقيقه "والد نظمي" قبلها بسويعات ليطمئن عليه وعلى أسرته، وأخبره الأخير بأنهم جميعاً بخير، "فجأة تلقت زوجة صابر اتصالاً صادماً من إحدى نساء العائلة تخبرها بأن هناك مجزرة في مقبرة الفالوجا وأن اسم نظمي يتردد بين الشهداء فبادر هو بالاتصال بشقيقه فايز ليطمئن على أحواله فوجده يبكي بكاء مريراً".

ويضيف صابر: "أخبرني شقيقي بأن نظمي قد استشهد وأنه موجود في المستشفى الإندونيسي. هرعتُ للمكان فوجدتُ ابن شقيقي مسجى في ثلاجة الموتى ووجهه ممزق بسبب شظايا الصواريخ".

ولم تسعف الكلمات صديقه باسم أبو شنار وهو يتحدث لـ"فلسطين" عن صديقه "نظمي" حيث كان على مقربة منه في أثناء استشهاده، ولم يحتمل المشهد الوحشي لصواريخ الاحتلال وهي تفتت أجساد أصدقائه وعلى رأسهم نظمي الأكثر قرباً منه، متسائلاً: "ما ذنب نظمي لتقتله صواريخ الاحتلال؟!".

ضربة خطفت قلبي

واستطعنا الحديث قليلاً مع والد الشهيد قبيل دخوله لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على جثمانه، فأخبرنا أنه كان يجلس في البيت عندما طلب منه نظمي أن يخرج ليمشي قليلاً في الشارع حيث شعر بالملل.

ويضيف بألم: "فجأة سمعنا صوت قصف شديد هو الأشد الذي سمعته في حياتي، لا أعتقد أن هناك ضربة أصعب من ذلك مرت على قطاع غزة فهي مليئة بالحقد فقد خطفت روح ابني نظمي".

ويتابع: "شيءٌ ما بداخلي دفعني للقلق على نظمي، فهرعتُ للجري في الشارع بحثاً عن المجهول، وجدتُ الغبار الكثيف يلف المنطقة والجميع نساءً ورجالاً يجرون بلا هدف، حتى وصلتُ للمقبرة وهناك لم أستطع التعرف على نظمي سوى من حذائه الذي كان قد سقط على قبر أمه من هول القصف الذي تعرض له".

ويشير إلى أنه لم يدر بخلده عندما وافق والدته على تسميته باسم ابن شقيقتها الشهيد ابن كتائب الشهيد عز الدين القسام "نظمي عزيز" أنه سيلحق به شهيداً في قصف إسرائيلي وحشي.

وحتى اللحظة لم يستطع والد الشهيد نظمي أنْ يستوعب أن الاحتلال قتل حلم نظمي بأن يصبح لاعب كرة قدم شهير، مستدركاً بالقول: "لكننا اعتدنا أن هذا احتلال مجرم لا يوجد في قلبه رحمة، يعشق الدم الفلسطيني لكننا صامدون ونحتسب دماء نظمي فداءً للوطن".