أسرلة المدارس المقدسية

لم يأتِ من فراغ الإنذار الذي وجّهته وزيرة التعليم الإسرائيلية يفعات شاشا بيطون لِستِّ مدارس فلسطينية مقدسية بسحب تراخيص نشاطها، وإنذارها بإغلاقها نهائيًّا بعد عام إن لم تغير هذه المدارس منهاجها التعليمي "المناهض" لـ(إسرائيل).

وعلى الرغم من صدور القرار هذه الأيام، فإنه يأتي جزءًا من مسلسل إسرائيلي رسمي تدعمه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، في السنوات الأخيرة علنًا، هدفه الرسمي والمعلن أسرلة النشء الفلسطيني في القدس المحتلة و"تثقيفه وتعليمه" على منهاج إسرائيلي.

يبدأ ذلك من المراحل الابتدائية، ويتوّج تدريجيًّا بعزوف الطالب المقدسي الفلسطيني عن التقدّم لامتحانات التوجيهي بنظامها الفلسطيني، وتفضيله المنهاج الإسرائيلي الرسمي المعروف باسم "البجروت"، كي تكون طريقه إلى "الجامعة الإسرائيلية وسوق العمل الإسرائيلي أسهل بكثير".

تشكّل هذه الخطة مدماكًا في مخطط إسرائيلي قديم لأسرلة الفضاء التعليمي الفلسطيني وتنمية جيل فلسطيني مقدسي مرتبط بالمركز الإسرائيلي والجامعة الإسرائيلية، بدلًا من المركز والفضاء والجامعة الفلسطينية.

ذلك يسهّل نفسيًا قبول الفلسطيني المقدسي بواقع الاحتلال، مع تعميق ارتباطه بـ"الحياة المدنية الإسرائيلية" في الجامعة ومؤسسات العمل الإسرائيلي، وبلورة هوية "مقدسية مشتركة" مع المجتمع الإسرائيلي في شطري المدينة، سواء المحتل منها عام النكبة، أو الذي جرى احتلاله في حرب يونيو/ حزيران 1967.

محاولات "تقريب" النشء الفلسطيني، والأهل، وصياغة هوية رخوة، بدأت بشكل حثيث بعد الانتفاضة الثانية، من خلال تشديد العراقيل الموضوعة أمام المدارس المقدسية التي أُجبرت على تعليم العبرية، لكنها رفضت تغيير مناهجها التعليمية وأبقت على منهاجها الفلسطيني، سواء كانت هذه المدارس من "مخلفات وزارة التعليم الأردنية" الرسمية التي أُخضعت مباشرة لبلدية الاحتلال، أو المدارس الأهلية المختلفة، الإسلامية منها وتلك التابعة لإرساليات مسيحية يعود تأسيسها إلى أواخر العهد العثماني.

وكانت حكومة الاحتلال الإسرائيلي قد أقرت عام 2018 خطة خاصة رصدت بموجبها 700 مليون شيقل (نحو 205 ملايين دولار)، "لأسرلة" التعليم الفلسطيني في القدس، وتعزيز الترغيب بالالتحاق بمنهاج التعليم الإسرائيلي، وتقديم امتحانات التوجيهي الإسرائيلية "البجروت".

وفي العام الماضي فقط، افتتحت بلدية الاحتلال مدرسة خاصة لهذه الغاية على مشارف بيت حنينا، تحت مسمى "ألفا"، تروّج لتبنّي المنهاج الإسرائيلي، بالاعتماد على حقيقة ارتفاع نسبة الملتحقين بالمنهاج الإسرائيلي بـ180، مقارنة بسنوات سابقة. ويُقدَّر عدد الطلبة المقدسيين من مختلف المراحل الذين يدرسون في مدارس تتبنّى المنهاج الإسرائيلي بنحو 13 ألف تلميذ من أصل نحو 100 ألف تلميذ فلسطيني.