أنا الآن يتيم

الحديث عن الأم يحتاج إلى مساحة أوسع من ضيق هذا المقال، فالأم تعطي دون مقابل، تحرم نفسها لتسعد أبناءها، فتكون أكثر سعادة ورضا عندما ترى الرضا في عيونهم، الأم تفدي أبناءها بما لديها حتى لو كان على حساب صحتها وراحتها، فالأم الوحيدة التي تقاتل لتتبرع لولدها ببعضٍ من جسدها ليعيش دون مرض، تفني عمرها من أجل أولادها، فهي الوطن الذي يجمع ويظلل، هي الأمان الذي تشعر به بأنفاسها، هي البركة التي تعيشها في كل تفاصيل حياتك، هي مفتاح النجاح والتوفيق الذي تحس به في كل خطوة تخطوها.

الأم كلمة حروفها قليلة لكنّها تحوي أكبر معاني الحبّ والعطاء والحنان والتّضحية، هي أنهار لا تنضب ولا تجفّ ولا تتعب، متدفّقة دائمًا بالكثير من العطف الذي لا ينتهي، وهي الصّدر الحنون الذي تُلقي عليه رأسك وتشكو إليه همومك ومتاعبك، هي التي مهما حاولتَ أن تفعل وتقدّم لها فلن تستطيع أن تردّ جميلها عليك؛ فهي سبب وجودك على هذه الحياة، تُعطيك من دمها وصحّتها لتكبر وتنشأ صحيحًا سليمًا، فهي عونك في الدّنيا، وهي من تُدخلك الجنّة.

 لا توجد في العالم وسادة أنعم من حضن الأم، ولا وردة أجمل من ثغرها، أمّي هي التي صنعتني، لقد كانت أمي تضمّ كلّ ما في الأرض من طِيبة، أجل كلّ ما في الأرض من طيبة، كل ما أنا وكلّ ما أريد أن أكونه مدينٌ به لأمّي، إنّ صلوات الأم الصّامتة الرّقيقة لا يمكن أن تضلّ طريقها إلى ينبوع الخير، لم أطمئن قط إلّا وأنا في حضنك.

 الأم تصنع الأمة، حينما أنحني لأقبل يديكِ وأسكب دموع ضعفي فوق صدرك وأستجدي نظرات الرضا من عينيكِ؛ حينها فقط أشعر باكتمال رجولتي، حب الأمّ هو الباقي رغم كلّ شيء، حبُّ الأم لا يشيخ أبدًا، الأم هي التّعزية في الحزن، الرّجاء في اليأس، والقوة في الضّعف، البيوت دون الأمّهات الصّالحات قبورٌ، بكِ يا أمي أستطيع أن أعرف الله وأرى الجنّة.

فراق الأم من أصعب وأقسى أنواع الفراق في حياة الإنسان، هي لحظات صعبة وموقف حزين ومؤلم يمر به الإنسان لحظة فراق والدته، رحلت أمي ورحل معها الحنان، كان الحنان أمي، والراحة أمي، والهناء أمي، والأمل أمي، وكل جميل في حياتي كان أمي، بل كانت الحياة أمي وها قد رحلت، فأنا الآن يتيم.

رحلت أمي وأخذت كلّ شيء وأصبحت أحيا بانتظار أن أقابل أمي، سلامًا على عينك النائمة، سلامًا على بدنك المختبئ في جوف الأرض، سلامًا على حنيني المستمر إليك.