ثوابت "حماس" والثورة الجزائرية تتلاقيان تحت مظلة لاءات بومدين الأربع

خطوة جريئة اتخذتها حركة "حماس" عندما قررت أن تحاصر حصارها في قطاع غزة، وتقوم بجولة إقليمية تحصد من خلالها ثمار تصعيد مايو 2021، والذي استطاعت المقاومة الفلسطينية من خلاله إحياء القضية الفلسطينية، وبَعْث تأييدها في الشارع العربي من جديد بعد مرور سنوات من الركود والغفلة عمّا يحدق بالقضية الفلسطينية من تهديدات وجودية.

وفي ظلّ الفوضى الدولية التي أنتجتها الولايات المتحدة، وتبعات العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وطموحات الصين الاقتصادية والسياسية أيضاً، بالإضافة إلى الملف النووي الإيراني، يبدو أنّ العالم أمام أقطاب جديدة سيكون لها حضورٌ على الساحة الدولية، وهذا الأمر يدفع محور المقاومة في الشرق الأوسط والمتمثل بإيران وسوريا وحزب الله اللبناني بالإضافة إلى فصائل المقاومة الفلسطينية، إلى الترفُّع عن أية توترات في العلاقة، والعمل على وحدة الصف التي بدورها تحافظ على وحدة الهدف، وهو مقاومة الوجود الأمريكي في المنطقة والاحتلال الإسرائيلي.

هذا المحور ليس ببعيد عن أسس الثورة الجزائرية، التي آمنت بضرورة العمل المسلح ضد المحتل الفرنسي، فحاربته سبع سنوات ونصف، قدَّمت خلالها مليون شهيد، نفّذت خلالها عمليات وهجمات ضدّ ممثلي النظام الاستعماريّ ورموزه ومؤسّساته، لتنال استقلالها في 5 يوليو 1962.

الأمر ذاته ينطبق على فصائل المقاومة بغزة، وعلى رأسها حركة "حماس" التي آمنت بمبادئ الثورة الجزائرية التي لا تعترف إلا بالعمل المسلح كسبيل لتحرير الأرض الفلسطينية من الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما لا تؤمن به ولا تعترف به السلطة الفلسطينية بالضفة الغربية ولا حتى حركة فتح صاحبة مقولة "أول رصاصة" والتي تركت العمل المسلح ضد المحتل وتمسّكت باتفاقية أوسلو وتبِعاتها التي نبذها الاحتلال نفسه ولم يُطبّق كافة بنودها كعادته في أي اتفاق مع السلطة.

وبناءً على ما سبق، بدا من الطبيعي أن تدعو الجزائر رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" لحضور احتفالاتها بعيد استقلالها الستين، وإن اقتضى البروتوكول دعوة رئيس السلطة محمود عباس أُسوة بباقي الزعماء الذين حضروا وجلسوا بالصف الأول خلال العرض العسكري الجزائري الذي تم ضمن فعاليات احتفالات الاستقلال الجزائري.

فإسماعيل هنية ومن خلفه حركة "حماس"، تلاقى مع مبادئ الثورة الجزائرية ولاءات الرئيس الثاني للجزائر – هواري بومدين حكم الجزائر من 1965 حتى وفاته عام 1978- الذي دعم القضية الفلسطينية، ولعب دورًا رئيسيًّا بمنح الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات فرصة الحديث أمام الهيئة العامة للأمم المتحدة (خطابه الشهير 1974)، واحتضنت إعلان استقلال دولة فلسطين من قِبل منظمة التحرير الفلسطينية على أراضيها عام 1988، عدا عن الدعم العسكري والمادي الذي التزمت به الجزائر تجاه القضية الفلسطينية حتى يومنا هذا.

عُرف بومدين بلاءاته الثورية الأربع التي عبّر فيها عن توجُّه الجزائر ونظرته للقضية الفلسطينية، وهي: " لا وصاية على الفلسطينيين، لا تفاوض، لا تطبيع، ولا تعامل مع العدو "، وهو صاحب المقولة الجزائرية الشهيرة: " نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة"، فمثَّلت مقولته شعارًا للسياسة الجزائرية لتكون حاضنة للكفاح المسلح الفلسطيني، ودرعًا حاميًا لها، وسدًّا منيعًا أمام محاولات الاحتلال الإسرائيلي للتغلغُل في القارة الإفريقية والتي لا تنفك عن محاولة استمالة دُولها بالمال وصفقات السلاح والمشاريع الاقتصادية ذات الأبعاد السياسية البحتة، ناهيك عن محاربتها التطبيع وعملها الدؤوب لإفشال عضوية الاحتلال في الاتحاد الإفريقي بصفة مُراقب.

وعليه، فإنّ الجزائر منحت "هنية" مكانة رئيس، وهو بالفعل في نظر الثورة الجزائرية التي تحتفل باستقلال بلادها هو رئيس المقاومة والكفاح المسلح ضد المحتل، وهذا مبدأ جزائري لا يحتمل النقاش، ولا ينفي أو يلغي رغبة الجزائر في لعب دور الوسيط في المصالحة الفلسطينية، ولا طموحها في تحقيق إنجاز تُقدّمه للقمة العربية المُزمع عقدها في الجزائر نوفمبر المقبل، سواء على صعيد الوساطة في الملف الفلسطيني والتي أكد الرئيس الجزائري الحالي عبد المجيد تبون أنّ القمة ستسعى إلى تجديد الالتزام الجماعي العربي تجاه القضية الفلسطينية، وتأكيد التزام الدول بمبادرة السلام العربية التي أطلقها العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز في عام 2002، أو الدفع باتجاه عودة سوريا للجامعة العربية، والذي يدعمه سجلّها الحافل بالوساطات الدولية بين الفُرقاء سواء في (مالي، الحرب العراقية الإيرانية، إريتريا وإثيوبيا، ليبيا)، وغيرها.

الرغبة الجزائرية بلعب دور الوساطة الإقليمية وانفتاح "حماس" في التعامل معها، يمنح الأخيرة مساحة إقليمية أكبر ومرونة أعلى في تحقيق هدفها الذي أشرنا له في بداية هذه المقالة، وهو اغتنام إعادة بَعث تأييد الشارع العربي للقضية الفلسطينية (ثمار تصعيد مايو 2021)، وتجديد الدعم العربي والإقليمي للمقاومة الفلسطينية، الأمر الذي يفرض وجود "حماس" بين مكونات المشهد السياسي الإقليمي لا سيما وأن بيدها قرار السلم والرد في قطاع غزة.