الحديث الموجّه

يستمر الجدل حول ملفات برزت نقاط جدل في الشارع الفلسطيني ليس أولها ملف اقتحامات المسجد الأقصى المبارك وتهديد المقاومة برد مزلزل في حال أقدم الاحتلال الإسرائيلي على فعلته وصعد من خلال تسيير مسيرة الأعلام في القدس، وحدث أن اقتحموا المسجد الأقصى المبارك وشارك آلاف المستوطنين في مسيرة الأعلام ونكل الجنود بالمرابطين وأهالي القدس ولم يُر للمقاومة فعل مرتقب.

وعاد إلى الواجهة ملف عودة العلاقات مع سوريا الرسمية على وقع ترتيبات حماس المحلية والدولية وكانت لهذا الملف جدلية واسعة، ليكون مؤخرًا ما عُرض من فيديو لجندي أسير لدى حماس في غزة وأعلنت أنه مريض فكان الجدل حول أهمية أو جدوى المضمون والتوقيت.

تطورات في أقل من شهر كانت حافلة بكثير من الإحباط والتساؤل والجدل والنقاش، فتبينت فيها معادلة الحديث الموجه والجدل الممنهج من جهة وعدم المعرفة من جهة وقلة أو ضعف الثقة من جهة ثالثة، فباتت لدى البعض مصداقية المقاومة على المحك كما يراها، وآخرون صنفوها على أنها خمدت وباتت موجهة بحالة الإقليم، وغيرهم ممن وصف حالته بالمحبط وربط ذلك بأن ما يحدث أقل من التوقعات.

وهنا تكمن معادلة الجبهة الداخلية التي يستهدفها الاحتلال ومن معه من حلف التواطؤ والتطبيع والترويض من خلال مقالات رأي وتثبيط وتوجيه للأحداث بزاوية أمنية تهدف لضرب النسيج المجتمعي والوطني، فيستمرئ بعضهم التطاول على ثقافة المقاومة ويقلل من شأنها ويستهزئ بفعالها وإنجازها فتراه موجودًا فقط من خلال مقالات وتواصل اجتماعي وفيديوهات وآليات لعزل المقاومة وتشويهها وإبعادها عن الفئة المستهدفة وهي الجبهة الداخلية، وهذا النوع موجه بطريقة منهجية خطيرة.

وفي هذه الزاوية يرون أن التشويش على أي معادلة للمقاومة وإبرازها أنها فقط تصريحات أو عبثية توقيت تعامل مع ملفات كالأسرى الجنود والعلاقات الدولية؛ هذا يعطي نتاجًا مهمًّا لهم بخربطة المشهد وخلط الحابل بالنابل وغسل الدماغ ولو جزئيًّا لدى فئة من السهل المرور من خلال عقولها لبرمجة المجتمع.

والفئة التي ليست لديها معرفة هي فئة أكثر استهدافًا حيث يتم تعبئة المعلومات الخاطئة في عقولها نظرًا لعدم الدراية أو التعمق أو المتابعة، وبالتالي تصبح حالة التشويش أكثر بكثير مما هو عليه لو كانت على علم بالمشهد، وهنا يتم الاستفادة من هذه الفئة باستخدامها عابرًا وناقلًا للروايات والمعلومات وذلك بحكم طبيعة البشر في حال امتلك معلومة فسينقلها ويدافع عنها ويكون ضدا لمن سيغيرها.

والفئة الثالثة هي التي تكون مع المقاومة قلبا وقالبا وتؤمن بها وبصمودها وتقدر إنجازها وتعزز تواجدها وهيبتها وفي حال حدث تشويش أو خلل أو تأجيل في رد أو تعامل أو غيرها فإن الثقة ستصبح مهزوزة والتساؤل يكبر، وهذا يحدث ليس مع عدد قليل بل مع كثر، هم الذين ينزلون للشوارع فرحين بأي انتصار ومنهم من ينتقد فورا أي خلل لخوفه على الثقة التي أولاها لهم.

بين هذه المسميات وقراءة المشهد لا بد من مرتكزات ليست سهلة، فحالة التغير الفكري والثقافي والتبديل من موقع المتلقي للضربات والنزف للجروح والذارف للدمعات إلى موقع مطلق الصاروخ وآسر الجنود ومتشعب العلاقات طبيعي جدا أن نجد هكذا تشكلات وزوايا للمشهد.

فالفلسطيني الذي على مدار أكثر من سبعة عقود تحت الترويض وغسل الدماغ والضغط والحصار والحجب الإعلامي عن قضيته نجح كثيرا كثيرا في المرور عبر الزمن في تخطي كل ما وضع لنفسيته من فخاخ التدمير والتذليل، فمشهد المقاومة الذي أريدَ له أن يتلاشى في غزة تطور وباتت تعاد الروح له في الضفة الغربية، والجبهة الداخلية التي تستهدف من مرتزقة الأقلام ومأجوري الأفلام وببغاوات وهم السلام إلى حناجر تتوحد فيها هتافات المسجد الأقصى المبارك ورجال الضيف الرجل الذي لا يعرف له وجه.

لذلك هي حالة طبيعية التي ذكرناها سابقا فالمأجور سيكتب ضد النصر حتى لو تحررت فلسطين، وعديم المعرفة سيمررون عليه ما يريدون ما لم يستفق، والمشكك ليس سيئا فهو مر بتجربة طويلة من مكر المحتلين وأذنابهم وغلمانهم وبعد كل هذا لا يغير المشهد ويستمر في تغييره إلا فئة واحدة فقط وهي التي تعمل ليل نهار وتدير شؤونها وتضع استراتيجياتها بعيدا عن مكر البعيد وغباء القريب وجهل العنيد، فتكون فعالا تشطب ما بناه المثبطون، فتتحول مخططاتهم لعنة على ما أرادوه ونصرا لما أرادوا أن يشوهوه.