10 سنوات قضاها في سجون الاحتلال لم تشفع له

تقرير المعتقل "مفارجة".. شبح وتعذيب متواصل في سجون مخابرات السلطة

...
المعتقل رفيق مفارجة (34 عامًا)
رام الله- غزة/ يحيى اليعقوبي:

في زنزانة لا تزيد مساحتها عن 80 سنتيمترا مربعًا، لا تتسع لمد القدمين أو الجلوس أو حتى النوم، ترك لرفيق مفارجة (34 عامًا) خيار البقاء واقفًا على قدميه، متلقيًا شتى صنوف الشبح والتعذيب المتواصل منذ أسبوع على اعتقاله في سجون مخابرات السلطة برام الله، دون أي اعتبار لتاريخه النضالي الذي أمضى خلاله عشر سنوات في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

تحت جنح الظلام، وعندما دقّت الساعة الواحدة فجر الجمعة، أفاقت زوجته تسنيم مفارجة وهي تضم رضيعها بين ذراعيها على وقع طرقات متواصلة على باب المنزل، لاحظت من النافذة ملثمين بملابس مدنية يقارب عددهم 20 عنصرًا يستقلون مركبتين، فاعتقدت أنهم قوات إسرائيلية خاصة، لكن لغتهم العربية لحظة طلبهم منها فتح الباب، جعلتها تدرك أنهم عناصر من أجهزة أمن السلطة.

من خلف الباب وبصوت مذعور ردت عليهم: "الوقت متأخر، وعليكم العودة في وقت آخر"، وأنّ لديها طفلًا رضيعًا قد يتجمد من الخوف والرعب بسبب صراخهم والقرع العنيف للباب، لكنهم لم يكترثوا لذلك وواصلوا قرع الباب محاولين خلعه، قبل أن يستيقظ العشرات من الجيران وأهالي بلدة "لقيا" في رام الله وسط الضفة الغربية، ويتصدون لهم ويمنعونهم من اقتحام البيت، ويجبرونهم على الكشف عن هويتهم، فاعترفوا حينها أنهم من مخابرات السلطة.

"بعدها بيوم أوقف 20 عنصرًا زوجي أثناء تنقله بسيارته داخل رام الله، وانهالوا عليه ضربًا حسب ما روى لنا شهود عيان كانوا يرافقونه، واعتقلوه"، تروي زوجته لصحيفة "فلسطين" ما جرى مع زوجها.

وتزوجت المحامية تسنيم مفارجة من رفيق قبل عام ونصف ورُزقا بطفلٍ لم يتجاوز ستة أشهر أسموه "محمد ضيف" تيمُّنًا بالقائد العام لكتائب القسام، و"هو ما وضع نقطة سوداء على زوجها داخل ملفات المخابرات".

ورغم أنها ترافعت عن زوجها في هذه القضية إلا أنها وجدت نفسها أمام جهازٍ أمني يعتبر نفسه فوق القانون، ويخرقه كيفما شاء، بدءًا بالحضور إلى البيت وترويع أهله "دون مذكرة اعتقال، وليس انتهاءً بتوجيه لائحة اتهام ضده بحيازة سلاح وإثارة نعرات طائفية، دون أيّ دليل على ذلك".

يصل صوت استيائها عبر الهاتف قائلة: "سلاحي الوحيد هو القانون، لكنهم لا يأخذونه بعين الاعتبار، ويتعاملون مع القضية كأنهم فوق القانون، رغم أنّ كل ما يفعلونه غير قانوني، خاصة أنهم لم يوفروا أبسط الحقوق للمعتقل"، فكثيرا ما قرأت تسنيم عن نصوص القوانين الفلسطينية التي تحظر التعذيب، وعن حقوق المعتقلين بالسماح بزيارتهم وطمأنة ذويهم عن مصيرهم والسماح لهم بالحديث معهم، إلا أنّ مخابرات السلطة لم تُنفّذ أيًّا منها.

بعد ثلاثة أيام من اعتقاله، عُقدت له أول جلسة محاكمة، مُنع فيها من الحديث مع زوجته، لكنه قدم إفادته للقاضي بأنه تعرض للضرب والتعذيب بصورة مهينة، ووُجّهت له شتائم تحطُّ من إنسانيته وكرامته، وشُبح في زنزانة صغيرة لثلاثة أيام متواصلة، منوهة إلى أنه أعلن الإضراب المفتوح عن الطعام والماء جراء ما تعرض له.

بعد سماع القاضي إفادة مفارجة عن تعذيبه، مدّدت له محكمة رام الله الحبس 15 يومًا إضافيًّا، "بطلب من مخابرات رام الله حتى يظل أيامًا أخرى في مقرها" وفق زوجته.

في ظروف إنسانية صعبة أمضى مفارجة 10 سنوات أسيرًا في سجون الاحتلال، وكانت معظم اعتقالاته في فترة تقديم امتحانات الثانوية العامة التي حصل على شهادتها بعد ست محاولات، ثم أُعيق عن الدراسة في جامعة بيرزيت، قبل أن ينسحب منها ويدرس في جامعة القدس المفتوحة خلال فترة أسره الأخيرة التي استمرت 5 سنوات متواصلة، قبل أن يُفرج عنه قبل عامين.

تعرض زوجته جانبًا من معاناتهم: "قبل اعتقاله مرّت علينا فترة صعبة، عشنا في توتر وقلق وخوف من اقتحام البيت في أيّ لحظة، لم تكن عيوننا تستطع النوم من شدة الترقب، وقد فاق سوء ظروف اعتقاله بسجون السلطة ما واجهه بسجون الاحتلال".

وترفض زوجته أيّ مساس بالأسرى المحررين سواءً زوجها أو غيره، معتبرةً قضية المحررين من الثوابت الوطنية، إذ يجب تكريمهم على كل ما قدموه، وليس أن تعتقلهم السلطة بعد الإفراج عنهم من سجون الاحتلال وتُلفّق التهم إليهم.

ورغم أنّ ذنب رفيق الوحيد تعبيره عن رأيه في انتقاد سياسات السلطة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، .إلا أنّ السلطة تواصل سياسة القمع وتكميم الأفواه على غرار جريمة اغتيال الناشط والمعارض السياسي نزار بنات، بسبب انتقاده سلوكها السياسي وفساد مؤسساتها.