المخيمات الفلسطينية في لبنان.. حياة خالية من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية

...
بيروت-غزة/ يحيى اليعقوبي:

يعيشون في بيوتٍ لا تتجاوز مساحتها ستين أو سبعين مترًا، تهالكت جدرانها مع مرور الزمن، فمنذ أربعة وسبعين عامًا تضاعفت أعداد اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان، إلا بيوتهم بقيت على حالها، الكثير منها لا ترى أشعة الشمس لشدة تلاصق الأبنية، وضيق ممراتها، حتى باتت تلك المخيمات تخلو من مقومات الحياة.

ليست البيوت وحدها أزمة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، فهذه واحدة من حلقة طويلة من المعاناة تختلف وتتفاوت بين مخيم وآخر، بدءًا من حرمانهم حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، وتأثرهم بالأزمة الاقتصادية اللبنانية، وتقليص وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" لخدماتها.

في مخيم "نهر البارد" شمالي لبنان، يضطر اللاجئ سامي حماد، وغيره من اللاجئين الفلسطينيين في المخيم للمرور عبر حواجز ينصبها الجيش اللبناني لحظة عودتهم للمخيم، لكن ليست هذه المشكلة الوحيدة التي يعيشها اللاجئون هناك.

يذكر حماد وهو ناشط في المخيم، أن اللاجئ الفلسطيني محروم من العديد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بموجب القانون اللبناني كالحق في العمل والتملك والتعليم، وهذا ما أدى إلى فرض واقع اجتماعي صعب، اضطر من خلاله اللاجئين الفلسطينيين إلى العمل ببعض المهن البسيطة وبشكل غير قانوني.

يسكن مخيم نهر البارد 30 ألف لاجئ، وهناك ألف عائلة لم تستطع العودة بسبب عدم استكمال الإعمار، إضافة لمشكلة الإعمار، يلفت حماد إلى أن المخيم يواجه مشكلة حياتية كبيرة بعدم وجود مياه صالحة للشرب، فيضطر الأهالي وبالرغم من الوضع الاقتصادي الصعب إلى شراء المياه الحلوة بواسطة جالونات وحملها على الطوابق العلوية لمنازلهم.

يشير حماد لصحيفة "فلسطين" إلى أن "أونروا" أوقفت ما كانت تصرفه كبدل إيجار للعائلات التي لم تعد للمخيم؛ ما فاقم معاناة 100 أسرة مستفيدة من بدل الإيجار.

في مخيم "المية ومية" لا يقل الحال سوءًا عن سابقه، فيوجد في المخيم مدرستان لـ"أونروا" هما "عسقلان وصفد" من المرحلة الابتدائية إلى التاسع المتوسط، وتضمّ قرابة 300 طالب وطالبة.

أحمد الخطيب أحد سكان المخيم، يقول: إن "الحياة اليومية في المخيم صعبة على الجميع دون استثناء بسبب رفع الدعم عن جميع المواد الغذائية والمحروقات وانعدام الكهرباء، فمثلًا كانت الدولة تدفع نسبة تصل إلى 70% لبعض الأدوية ويدفع المستهلك النسبة المتبقية، وهكذا الحال بالنسبة للمواد الغذائية، والآن أصبحت تكلفة السلعة كاملة على عاتق المستهلكة، الأمر الذي فاقم معاناة اللاجئين".

ويبلغ عدد سكان المخيم 5600 لاجئ، ومقام على أرض استأجرتها "الأونروا" من مالكها لمدة 99 عامًا، يضم مدرسة واحدة تابعة للأونروا تحمل اسم مدرسة "عسقلان" وعيادة طبية تعمل ثلاثة أيام في الأسبوع يستفيد منها الأهالي.

يضيف الخطيب أن "الوضع الاقتصادي في لبنان انعكس سلبيًّا على الحياة المعيشية في المخيم، بسبب عدم توفر المواد الأولية، وإن وجدت تكون بأسعار مرتفعة، وهو ما يفوق قدرات أهالي المخيم الشرائية".

أمراض وراثية

على بعد نحو 28 كيلومترًا من حدود فلسطين المحتلة، يقع مخيم "البرج الشمالي"، ومعروف عنه انتشار الأمراض الوراثية بين أزقته كمرض "الثلاسيميا" حيث يوجد به 60% من المصابين بالمرض على مستوى لبنان بسبب زواج الأقارب وافتقاره الخدمات الصحية اللازمة.

اللاجئ سامي حمود يقرِّب مجهر المعاناة أكثر، واصفًا واقع الحياة في المخيم بـ"المرير"، إذ يحجب تلاصق البيوت أشعة الشمس عن الكثير منها، وترتفع نسبة الرطوبة وكذلك الأمراض.

ويضم المخيم ثلاث مدارس، وهي مدرسة "جباليا" و"الصرفند" و"فلسطين" وتختص بالتعليم الابتدائي والإعدادي، في حين يضطر طلبة الثانوية العامة للسير أو الذهاب المواصلات إلى التعلم في مدارس مخيم الراشدية على بعد خمسة كيلومترات.

يوميًا يخرج حمود من المخيم وإليه من خلال شارع واحد يطل على الحياة الخارجية ويمثل للاجئين شريان الحياة، وتوجد نقطة للجيش اللبناني على مدخله.

وأشار إلى أن "أزمة المخيم كحال مخيمات لبنان قديمة جديدة من عمر اللجوء، لكنها زادت مع تقليص خدمات الأونروا، وتراجعها عن تقديم المساعدات الطارئة تحت مبرر العجز المالي.

كما يعاني المخيم وفق حمود من الفقر الذي يبلغ نسبته 80% وتصل نسبة البطالة فيه إلى نحو 75%، ومن قلة الدعم والمشاريع يضطر الأهالي للعمل في الزراعة الموسمية والحرف البسيطة، ويقوم أهل الخير من داخل وخارج فلسطين بدعم مقومات صمود المخيم.

وألقت أزمة اقتصادية حادة ثقلها على لبنان في السنوات الأخيرة أدت إلى ارتفاع مستوى الغلاء المعيشي فيها، دفع اللاجئون في المخيم ثمنًا كبيرًا لهذا الارتفاع وزادت نسبة الفقر، على حين لم تقم "أونروا" بدورها في إغاثتهم بشكل مطلوب، كما يؤكدون.

حياة خالية من الحقوق

بحسب رئيس الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين د.علي هويدي، فإنه يعيش في مخيمات اللاجئين في لبنان 300 ألف فلسطيني، بأوضاع صعبة ومعقدة خالية من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية من الدولة المضيفة كالحق بالتعليم والعمل وإنشاء مؤسسات، وتراكمت معاناتهم بسبب الأزمة المالية التي تعانيها وكالة "أونروا" وتراجع خدماتها المقدمة.

ويفيد هويدي لصحيفة "فلسطين" بأن نسبة البطالة بلغت ما يقارب 90% في أوساط اللاجئين والفقر زاد على 80% أما الازدحام السكاني في المخيمات فيقارب من نسبة 400%، وهذه مؤشرات تشير إلى أن الأوضاع ذاهبة للمزيد من الأسوأ.

ورغم أن هذه المعاناة متراكمة منذ سنوات طويلة، فإن هويدي يلفت إلى أن اللاجئين تأثروا بالأوضاع اللبنانية الصعبة عام 2019، في إثر تدهور قيمة العملة اللبنانية (الليرة) وارتفاع أسعار السلع.

ويؤكد هويدي أن اللاجئين لا يريدون التوطين خوفًا من نسيان حق العودة كما تبرر الدولة اللبنانية موقفها من عدم تمليكهم، لكنهم يريدون العيش بكرامة حتى العودة إلى ديارهم.