التصويب لا التحريض

تحاول جهات عدة في داخل السلطة استقطاب أبناء وقيادات وكوادر حركة فتح إلى مربع التحريض والتجييش في مواجهة متخيلة ومنسوجة مع الفصائل الفلسطينية، فتارة يتم تغطية التنسيق الأمني الذي يؤدي لكشف خلايا المقاومة بأن متفجرات تابعة للجبهة الشعبية وحماس ضُبطت في بيتونيا غرب رام الله تعدها خلايا مشتركة بين الطرفين ضد السلطة ومقرات الأجهزة الأمنية، فالتحريض محاولة لتغطية التنسيق حتى لا تكون الحقيقة أمام الناس أن هناك من يقف رسميا في وجه المقاومة.

وفي ملف جامعة النجاح واغتيال نزار بنات وأحداث القمع بعد سيف القدس وبث الشائعة والروايات حول ملفات في غزة، كلها مجالات تحريض تمارس في الدرجة الأولى وتستهدف أبناء حركة فتح لتوحيدهم ضد عدو مفترض، ومن ثم تسهيل فرض أي قيادة جديدة عليهم بحجة الطوارئ والظروف الصعبة التي تمر بها الحركة والمؤامرة الكونية ضدها وضد "المشروع الوطني".

منحى التحريض تفاوت إلى حد كبير بين اغتيال مباشر لنشطاء كما نزار بنات، وقمع جماعي كما جامعة النجاح الوطنية في نابلس أو المسيرات في رام الله، أو مضاعفة الاعتقالات السياسية التي تطال كل الألوان الفلسطينية، وليس آخرها ما يمارس بحق المقاومة في مخيم جنين وما سبقه في بلاطة والبلدة القديمة في نابلس.

وعلى كل الأحوال باتت سياسة التحريض والتجييش مبنية على ترهيب أبناء الحركة تارة وترغيبهم بالوظيفة والرواتب والامتيازات تارة أخرى، وهذا لا يحدث فقط هنا، بل في كل الدول العربية التي لديها نفس نظامنا وشكلنا السياسي المتعثر الذي لا يعرف لصندوق الاقتراع طريقا.

هنا وفي هذه الحالة تتحول كل مقدرات وكفاءات الحركة إلى جنود يتحكم بهم مجموعة توهم الجميع أن السلطة والقوة والقرار لها، وأن الغرب والاحتلال داعمها، وبالتالي يسهل التمرير.

بين التحريض الذي تسعى تلك الفئة جاهدة لاسترجاع مشاهده من عام ٢٠٠٧ حتى يتم تمرير ما مرروه عقب اغتيال الراحل ياسر عرفات، وكانت ثمرة التحريض عام ٢٠٠٥، الآن يعاد الشريط الذي تفاجأ مخططه أنه فيلم محروق لم يعد ينطلي على الشعب الفلسطيني، وأن من يصنع الفتنة لا يريد إلا مصلحة خاصة به يستخدمها من خلال شعب أو حركة أو مقدرات.

وبين التصويب اللازم في مسار الحركة الذي تحتاج إليه الآن وهي في أمسِّ الحاجة له كي تبقى ويعاد لها موقعها؛ وإذا لم يكن التصويب عنوان مرحلة وغلب صوته صوت التحريض فسيكون استنساخا جديدا لمشهد أمني يقود إلى ما يريده، وسيبدأ بعد تمرير الفكرة في كل فتحاوي أراد التصويب أو حتى اتخذ جانب الصمت إزاء ما يحدث، لأن هؤلاء يريدون من الجميع أن يكونوا في صفهم.

ولذلك وجب الآن وقبل فوات الأوان بدء مسار التصحيح الذي سيلغي الاستفراد والمراسيم الفردية والفصل التعسفي من المركزية والثوري والأقاليم والإقصاء العمد للكفاءات وأصحاب الهمم ووقف الفساد في المؤسسات الداخلية والخارجية وفتح ملف منظمة التحرير الفلسطينية وصندوق الاستثمار ومعادلة الترتيب والأولويات الوطنية على الساحة الاجتماعية والإعلامية والثورية والفصائلية.

هناك نستطيع القول إن معادلة التصويب فازت، وبها فازت فتح وديمومتها وتاريخها ومستقبلها، وغير ذلك وإن فازت معادلة التحريض فسيعاد إنتاج الأسوأ، وهذه المرة سيكون الأخطر على الحركة من داخلها وأعلى هرمها.