كيف يمكن تكرار وحدة الساحات في سيف القدس؟

انطلاقا من استنتاج المقال السابق حول استراتيجية الاحتلال في التفريق بين الساحات، والقاضي بصعوبة تكرار نموذج سيف القدس، الذي مثل ذروة في إفشال سياسة الاحتلال، وقمة في نجاح استراتيجية المقاومة في التوحيد بين الساحات، يبرز سؤالان مركزيان هما:

الأول هل وحدة الساحات تعني أن تقوم كل ساحة بالرد على ما يحدث في الساحات الأخرى؟ أي كل الساحات ترد على حدث في ساحة واحدة بشكل دائم وباستمرار؟ أو أن ترد كل الساحات أو جزء منها بنوع واحد من الردود هو الرد العسكري؟

أما السؤال الثاني فهو ما هي أسباب الصعوبة في تكرار نموذج الوحدة في سيف القدس؟ وكيف يمكن معالجة هذه الصعوبة؟

 أولا- لا تقتضي المقاومة الراشدة أن تقوم كل الساحات بالرد على ما يجري في ساحة معينة بشكل فوري، لأن هذا قد يتعارض مع مبدأ الاستنزاف والذي يقتضي استراحة المحارب / الساحة في صراع طويل ومرير مع الاحتلال، وفي ظل اختلال كبير في موازين القوى، واقتباسا من الفقه الحكيم يمكن القول أنه ينبغي على كل ساحة، الرد على الاعتداء الذي يجري على أرضها، بما يناسب ويردع الاحتلال، إن لم تستطع هذه الساحة، اتسعت الدائرة وانتقلت ضرورة الرد لساحة أخرى، حتى يصبح الرد واجبا على كل الساحات، وكل ذلك يخضع لثلاثة عوامل : الأول- المناسبة والملائمة : فلكل اعتداء رد موازٍ له في المقدار والحجم والطبيعة. الثاني- مدى امتلاك المقاومة لقدرات وإمكانات الرد في تلك اللحظة أو بشكل عام. والثالث- التوقيتات والأمكنة المناسبة.

وحول السؤال الثاني فإن سبب الصعوبة الرئيس في تكرار نموذج سيف القدس، هو عدم وصول المقاومة لدرجة معقولة من التحكم والسيطرة على ما يجري في ساحات الوطن، عدا غزة التي تتميز بالتحكم والسيطرة العالية، في المقابل فإن الضفة تحديداً تخضع فيها ردود الأفعال بصورة كبيرة لقوانين رد الفعل الغريزي-الفردي أكتر منها لقوانين القيادة والتخطيط والتنظيم، وذلك لظروف موضوعية وذاتية، ليس هنا المقام لتفصيلها، فإن تحولت ردود الفعل من الردود الغريزية والفردية إلى القيادة والتخطيط بصورة أكبر، أمكن تكرار نموذج سيف القدس، وأصبحت إمكانيات تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني، وتدفيع الاحتلال أثماناً باهظة لسياساته القمعية أعلى مما يجري عليه الأمر الآن بكثير.

أما إمكانية أن يكون هناك تحكم في ساحة الداخل فهو أمر مركب وغاية في التعقيد ومن الصعب الوصول له في هذه المرحلة حيث ستبقى ردود الفعل محكومة بالمواقف الشعبية والمدنية وبطبيعة الحدث أو الشرارة التي توقظ هذه الردود، والأقصى في كل الأحوال هو المرشح الأعلى حظا في إشعالها، أو مجزرة كبيرة -لا سمح الله- أو غير ذلك.

ختاماً وفي كل الاحوال فان المسؤولية تقع على عاتق القيادة السياسية المقاومِة للشعب الفلسطيني، والتي تواجه تحديات متزايدة ولكنها تحقق إنجازات متميزة أيضا، وخاصة في مجال الاستراتيجيات الكبرى الداعمة للمقاومة بكافة أشكالها.