ما خفي أعظم.. هل يعيد الاحتلال الكرة؟

لم يمر يوم على المسجد الأقصى المبارك منذ اليوم الأول لاحتلاله في عام 1967، إلا وقد استهدف من المستوطنين المتطرفين وقوات الاحتلال من خلال إحراق أجزاء منه وتواصل الاقتحامات والاعتقالات والإبعادات وملاحقة حراسه ورواده ومنع الأذان، وقد عمدت سلطات الاحتلال مرارا إلى إغلاق الأقصى أمام المصلين، فضلا عن حظر وصول الفلسطينيين من الضفة الغربية وغزة إلى الأقصى فيما حظرت مرارا وصول فلسطينيي الداخل... إلخ من الممارسات التي أكدت وتؤكد نية الاحتلال استهداف الأقصى وإفراغه من مضمون عروبته وإسلاميته وإيجاد موطئ قدم للمتطرفين اليهود تمهيدا لتقسيمه كما فعلت من قبل في الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل، ناهيك بالحفريات التي لم تتوقف حتى اليوم في محيط الأقصى وتحته بحثا عن أي أثر للهيكل المزعوم الذي يعتقد المتطرفون أنه كان قائما تحت الأقصى على الرغم من كل الحفريات التي أجريت، والتي تهدد الأقصى والكثير من المنازل المحيطة لم تكشف سلطات الاحتلال عن أي أثر يشير إلى وجود هذا الهيكل المزعوم.

سلطات الاحتلال الإسرائيلي تخطئ خطأ جسيما إذا ما اعتقدت أن استخفافها بمشاعر المسلمين وانتهاكاتها المتكررة للأقصى يمكن أن تمهد الطريق أمامها لتهويد هذا المكان المقدس الخالص للمسلمين دون غيرهم، فالشعب الفلسطيني قدم الغالي والنفيس ولا يزال يفدي الأقصى بأغلى ما يملك للدفاع عنه، نتذكر مجزرة عام ١٩٩٠ للدفاع عن الأقصى، عندما حاول مستوطنو ما يسمى بجماعة "أمناء جبل الهيكل"، وضع حجر الأساس "للهيكل الثالث" المزعوم في المسجد الأقصى، فتصدى لهم آلاف المصلين، فحينها دخل جنود الاحتلال وفتحوا النار عشوائيًّا تجاه المصلين المعتكفين في المسجد، وأمطر الجنود والمستوطنون جموع المصلين بالذخيرة الحية بشكل متواصل من نيران المدافع الرشاشة، فوجد الآلاف المصلين من مختلف الأعمار أنفسهم في فخ الموت الجماعي، ولم يتوقف إطلاق النار لمدة 35 دقيقة على المصلين. وأسفرت هذه المجزرة عن ارتقاء 22 شهيدًا، وإصابة أكثر من 200 آخرين، واعتقال 270 آخرين، حيث أعاق الاحتلال حركة سيارات الإسعاف. ثم جاءت مجزرة الأقصى الثانية في الثالث والعشرين من أيلول 1996 بعد إعلان الاحتلال فتح نفق مجاور للجدار الغربي؛ ما تسبب باندلاع اشتباكات مع الاحتلال في مختلف أنحاء فلسطين كانت حصيلتها واحد وخمسين شهيدا وحوالي ثلاثمائة جريح. وتلا ذلك في عام ٢٠٠٠ قيام المتطرف أرئيل شارون باقتحام باحات الأقصى بحماية شرطة وجنود الاحتلال مستفزا مشاعر الفلسطينيين، ساعيا لفرض أمر واقع؛ أدى إلى اندلاع الانتفاضة الثانية ودفع الفلسطينيون مجددا مئات الشهداء والجرحى والأسرى دفاعا عن الأقصى والقدس، ولا يزال الشعب الفلسطيني يدافع عن أقصاه ويتصدى لقوات الاحتلال وقطعان المستوطنين باقتحاماتهم اليومية الاستفزازية ومحاولاتهم لفرض وقائع جديدة مثل وضع البوابات الإلكترونية، بذبح القرابين ومسيرة الأعلام... الخ.

نتذكر أحداث العام الماضي ٢٠٢١ وفي مثل هذه الأيام الهجمة الشرسة على مدينة القدس تزامنا مع وتيرة الاقتحامات للمسجد الأقصى المبارك من قبل المستوطنين وجيش الاحتلال قبل معركة سيف القدس، ومحاولته الاستيلاء على منازل المواطنين في حي الشيخ جراح، وتهجير سكانها منها قسرًا، كأن الاحتلال يريد إرجاع  عقارب الساعة إلى الوراء ٧٤ عاما ليذكرنا بالنكبة في ١٩٤٨/٥/١٥، لما قام به في مثل هذه الأيام من تهجير قسري للفلسطينيين من مدنهم وقراهم ليقيم كيانه عليها، فما كان من المقاومة إلا أن تضع حدًا لهذه الاعتداءات، وتدافع عن القدس والأقصى.

جاء في برنامج "ما خفي أعظم"، الذي بث من خلال قناة الجزيرة الفضائية قبل يومين، أن سبق اندلاع معركة سيف القدس، توجيه قائد هيئة الأركان في كتائب القسام محمد الضيف في الرابع من مايو 2021، تحذيرًا واضحًا للاحتلال بأنه في حال لم يتوقف العدوان على أهالي الشيخ جراح في الحال، فإن المقاومة لن تقف مكتوفة الأيدي، وسيدفع الاحتلال الثمن غاليًا، ورغم تحذير الضيف، إلا أن سلطات الاحتلال ضاعفت من اعتداءاتها بحق المسجد الأقصى وأهالي الشيخ جراح، ولم تحسن تقدير تحذير المقاومة ولم تأخذها بالحسبان، ففي فجر العاشر من مايو اقتحمت قوات كبيرة من قوات الاحتلال المسجد الأقصى واعتدت على المرابطين. وفي اليوم نفسه، منحت قيادة المقاومة الاحتلال مهلة حتى الساعة السادسة مساءً لسحب جنوده ومستوطنيه من المسجد الأقصى والشيخ جراح، والإفراج عن المعتقلين كافة خلال هبة القدس الأخيرة، وإلا فقد أعذر من أنذر.

ومع انقضاء مهلة المقاومة، وفي تمام الساعة السادسة مساءً، وجهت كتائب القسام ضربة صاروخية تجاه القدس، ردًا على جرائم الاحتلال وعدوانه بالقدس والأقصى وتنكيله بأهالي الشيخ جراح، وأكدت أن رسالة الضربة عليه أن يفهمها جيدًا، و"إن عدتم عدنا وإن زدتم زدنا".

ودخلت المقاومة معركة "سيف القدس" دفاعًا عن المدينة المقدسة ونصرة للمقدسيين والمرابطين في المسجد الأقصى، فقد جعلت من المعركة حرب أعصاب، واستخدمت تكتيكها الخاص الذي فاجأ الاحتلال، فقد أحدثت هزة في جبهة الكيان الداخلية، ولم تجعل للإسرائيليين سبيلًا للراحة، رغم ما أسفر العدوان الإسرائيلي عن استشهاد 264 فلسطينيًا، بينهم 66 طفلًا و39 سيدة و17 مسنًا، وإصابة (2205) مواطنين بجروح مختلفة، بالإضافة إلى دمار كبير في البنية التحتية والمنازل السكنية. وأهم ما تم توثيقه في البرنامج كيف تم قلب المعادلة بفرض المقاومة خلال معركة سيف القدس معادلة القصف بالقصف، وربطت أي تلويح أو قصف لبرج مدني في غزة برشقات صاروخية على "تل أبيب" وعسقلان وأسدود وبئر السبع، وكلما ارتكب الاحتلال مجازر ضد المدنيين كانت ترد عليه بشكل خاص خلال المواجهة، وما إن زاد من قصفه في القطاع زادت المقاومة من رشقات صواريخها وبقعة الاستهداف في العمق. أهم ما ذكره الفيلم أن المقاومة ركزت في ضرباتها الصاروخية على الأهداف العسكرية، والتي شملت مطارات وقواعد وتجمعات تنطلق منها طائراته في غاراتها على قطاع غزة.

وخلص البرنامج من خلال اللقاءات التي أجراها معده الصحفي تامر المسحال مع قادة عسكريين للمقاومة، بأن الانتصار الذي سجلته المقاومة في معركة سيف القدس، التي استمرت أحد عشر يوما، أحدث نقلة نوعية في الصراع مع الاحتلال، وقد كبده خسائر جسيمة في جميع النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية، أثبتت خلالها كتائب القسام والمقاومة فشل نظرية الردع الإسرائيلية، وأظهرت إمكانيات وقدرات عالية لدى المقاومة، التي نجحت في تهشيم صورة الكيان الإسرائيلي وجيشه وخشيته من إعادة الكرة، لتكتب صفحات جديدة في تاريخ العز والمجد وترسم طريقًا جديدًا نحو التحرير.