دموع التماسيح

انهمرت بيانات الإدانة؛ أوروبا وأمريكا وغلمان العرب على مشهد جريمة قتل الصحفية شيرين أبو عاقلة، وتبعها ملحق تنديد إضافي لمشهد مهاجمة تابوتها وجنازتها، وانتهت هنا دراما الدبلوماسية التي أحرجتها عدسة الكاميرا في فلسطين حينما وثّقت بعضًا من مأساة كلهم شركاء فيها.

انقشع غبار الجريمة وضجيج مكبرات الصوت وغيرها من أدوات الشجب وبانت الصورة أكثر وضوحا ترجمتها أيام قليلة مرت.

لم تقم أي دولة باستدعاء سفير الكيان حتى لمجرد توبيخ أو استيضاح، لم يتم من أي دولة أن أعادت سفيرها رفضا للجريمة، لم نر تلك الفعال من أوروبا ومحكمة الجنايات بالمبادرة والقدوم إلى فلسطين وتشكيل لجنة تحقيق، بل رأيناهم يشكلون اللجان التحقيقية ويرسلونها تحت النار إلى أوكرانيا، ويجمعون كل الدلائل على أن هناك جريمة حرب.

انهمرت هناك أسلحة لدعم مقاتل أمام مقاتل، انهمرت هناك وكالات إعلام ولجان صحية وقانونية لترسيخ رواية تطرب الغرب وتعززها لتبني عليها وفي بعض الأحيان تنسج القصص والفبركات.

بينما هنا في فلسطين التي لم يطبق فيها أي قرار دولي صادر لصالحها أصلا؛ ما كان منهمرا فقط بيانات شجب وإدانة وضبط للنفس وزوايا أخرى انهمر علينا التشكيك في الرصاصة القاتلة ومصدرها.

شككوا ووعدوا وتعهدوا ونددوا، وبعد ساعات وأيام قتلوا بنفس الرصاص مدنيين وزادوا من جريمتهم فصلا عززوا فيه نظريتهم وهاجموا جنازة شهيد؛ وهناك في القدس أصابوا واعتقلوا وانتهكوا حرمة المقابر بعد أن انتهكوا حرمة المساجد والكنائس.

صفعوا دموع التماسيح التي أغرقتنا خلال الأيام الماضية فما وجدنا لجنة تحقيق دولية ولا وجدنا حتى موقفا يضع حدا لجريمتهم.

هذا هو النفاق الذي زاد جرحنا وألمنا، فالقصف والقتل في جنين والقدس وغزة؛ وغلمان العرب يعقدون قمم النقب وشرم الشيخ ويعززون التطبيع والتنسيق.

نفاق أوروبا التي بأموالها يهان الفلسطيني ويغير منهاج دراسته وتفرض شروط الذل على سلطة سليبة السيادة إلا من أمن يعتبر التنسيق مقدسا.

نفاق الأمريكي الذي قتلت رصاصته شيرين ووليد الشريف وعصاه وعتاده العسكري استخدم في مهاجمة الجنائز وقبل ذلك قنابله الذكية وطائراته قصف بها الاحتلال غزة وجنين، وبعد وقبل وبين كل هذه الأحداث "ڤيتو" يحملونه في وجه أي قرار ضد الاحتلال يوضع هناك في مجلس فيه كل الدماء تسيل تحت اسم الأمن.

سفارات نقلت للقدس وڤيتو في مجلس الأمن وعتاد وسلاح وتطبيق وتنسيق؛ كل هذه الأسلحة بأيديهم بالتزامن مع حصار الفلسطيني ومن يناصره وحرب على الصحافة والمقدسات وقتل الروح والتابوت ليغطى كل المشهد بدموع تماسيح ما زاد من حجمها هذه المرة هو محاولة تغطية الأبشع.

فهل يا ترى ستتغير المعادلات وتتحول إلى منطق سياسي دولي بعيدا عن مصلحة الغرب والشرق وتأخذ قضية فلسطين وشيرين مرحلة جديدة تؤسس لما بعدها، وتنسف مخططات رسمت ليس أولها "أوسلو" ولا آخرها اتفاقية "أبراهام".

في المشهد وضوح شديد ودلائل تلاحق الاحتلال فمن سيسبق لاستثمارها في معاقبته وتجريمه ومحاكمته؟! ومن سيسبق لتغطيتها بدموع ما زالت تستخدم رغم معرفة عمقها؟! من سينصف الشعب الفلسطيني ومقاومته وحقوقه أمام هذا البحر من دموع التماسيح؟!