استشهد فيها 22 فردًا من العائلة 

تقرير محمد الكولك.. شاهدٌ على جريمة إبادة جمعت الجد بابن الحفيد

...
مجزرة مروعة ارتكبتها طائرات الاحتلال في شارع الوحدة بغزة
كتبها/ يحيى اليعقوبي:

عامٌ مر على المجزرة، مضت الأيام، ولم تمض مشاهد الرعب من ذاكرة محمد الكولك ووالدته سناء، فجر (الأحد، 15 مايو/ أيار 2021) حينما دقت الثانية عشرة فجرًا، على صوت الطائرات الإسرائيلية وهي تعيد أخذ مواقعها وتزداد قربًا من سماء غزة، وهدير محركات أصوات أسرابها جيئة وعودة، وأصوات الانفجارات المتتالية التي ما زالت تتكرر في ذاكرة محمد ووالدته إلى اليوم.

في شارع الوحدة، عادت عجلة الحياة للدوران في كل ما يحيط بمنزل عائلة الكولك، فالمنزل المدمر أعيد بناؤه والجيران عادوا لمنازلهم التي لم تطلها الصواريخ، إلا حياتهما التي توقفت عند ذلك اليوم الذي خطف فيه الاحتلال اثنتين وعشرين روحًا من عائلتهما، وكأنَّ المجزرة ارتكبت أمس، فجرح الفراق ما زال غائرًا، ورائحة الفقد تهب عليهم مع كل صباحٍ جديد لا يرون فيه أفراد عائلتهم، في لحظةٍ كانوا يتجمعون في غرفة واحدة يتابعون مجريات الأحداث.

وبعد عام على المجزرة ما زال مشهد العدوان حاضرا، بقعٌ عديدة تملأ الشارع الرئيس والشوارع الفرعية إثر عمليات إصلاح مؤقتة ومد خطوط مياه وصرف صحي، ترى أبنية وعمارات وأبراجا أزيلت من مكانها بفعل الصواريخ التي تساقطت عليهم أو بأثر الارتجاجات التي حركت قواعد تلك الأبنية وجعلتها آيلة للسقوط فأزالتها الجهات المختصة، مشاهد تؤكد أن الحرب انتهت لكن الحياة لم تبدأ بعد، فكل شيء بقي على حاله، فما زال الملح على الجرح.

قبل عام أسفل المنزل كانت عينا محمد ترسمُ شعورًا غريبًا لم يفهمه شقيقه عبد الرحمن "شايفك متوتر.. مالك؟"، بالكاد نطقَ محمد الجملة بتوتر: "والله يخو الوضع بطمنش.. تعال نطلع على الدار صارت نص الليل".

لأول مرة كانت المسافة طويلة؛ لأول مرة يشعر بها محمد أن الدرجات شاهقة الارتفاع كأنه تسلق قمة أعلى جبال فلسطين.

بعدما وصلت والدته لاحظت الاضطراب وهم في لمة عائلية، تراقب عيونهم ما يورده لهم الشريط الأحمر عبر التلفاز لآخر ضحايا بطش الصواريخ التي كانت تشوه معالم كل منطقة وصلت إليها مخالبها.

- محمد فيك اشي؟

- لا يمّا..

رغم ذلك كانت هناك حياة، تعج بالحياة؛ وأحلامٌ وورد وصور، يغفون غفوتهم الأخيرة على أصوات الصواريخ، ينشدون للأمل، تنبضُ قلوبهم بالحب، في المشهد عيون تنظر للحياة، تتوهج منهم ابتسامة مشرقة يتجمعون على مائدة الحب الأُسري.

في المشهد العائلي، يجلس سامح فواز الكولك الذي حضر هو وزوجته آيات من محافظة الشمال للاحتماء ببيت والده بشارع الوحدة، يحمل طفله قصي الذي لم يتجاوز ستة أشهر، يحتفلون بظهور أول أسنانه، كان الزوجان يتبادلان حوارهما حول مستقبل الطفل، ويرسمان في مخيلتهما ذلك المستقبل..

(سامح) يضحك بسخرية لزوجته: راح أخليه يصير مهندس زي أبوه.

(آيات) بعد أن طارت منها ضحكة طويلة: بكفي مهندس واحد عنا.. خليه يطلع دكتور.

كسرت "سناء" وهي والدة سامح وجدة قصي، الحوار وهي تطبع قبلة على جبين حفيدها الأول، وتواصل قضم وجنتيه بشفتيها وتداعبه، محمد يخرج من مستنقع التوتر الذي سقطت فيه كومة مشاعره "أعطينِي، يما قصي"، وحمله وبدأ يرميه نحو السقف ثم تتلقفه يداه، ويعاود الكرة مرة أخرى، في كل مرة يطير فيها قصي نحو الأعلى كان قلب والدته يسقط للأرض ثم يرتد إليها توصيه: "محمد، دير بالك عليه" ملحقناش نفرح فيه.

كان قصي يوزع الابتسامات على قلوب جديه فواز وسناء، وأعمامه محمد وعبد الحميد، ووالديه سامح وآيات، وعمته المهندسة ريهام، هكذا كانت تعج الغرفة بالحياة تخفق قلوبهم فرحًا رغم ما يرد إليهم عبر الشريط الأحمر، وما ينقله المذيع، ريهام تطلب من والدها إغلاق الشاشة "عندها صارت وحدة خلص اطفي التلفزيون خلينا ننام والصبح بنتابع".

"صاروخ سقط قريبًا منا ارتجت معه جدران المنزل رجات متعددة، وتكسرت بعض نوافذه، واهتزت أيضًا جدران قلوب كل واحد منا، حمل سامح طفله قصي وخرجت زوجته معه للاحتماء بالطابق السفلي، ثم تبعه والده وشقيقه عبد الحميد.

أما ريهام فكانت تشد يدي بصوتها اللاهث الذي ترافقه الدموع "يلا انزل"، لكنني اخترت البقاء في البيت" يمر المشهد أمام عيني محمد وهو يعيد رسم الحدث لصحيفة "فلسطين". 

- محمد تكونش عنيد خلينا ننزل تحت..

- لا، روحي لحالك هيني قاعد حتى لو انقصفت..

"براحتك".. تقول شقيقته وهي ترفع رقبتها وتجول بنظرها في المكان، بينما يتأرجح الخوف جيئة وعودة مثل فاكهة أوشكت على السقوط، تجثم على عينيها كل خصال القلق، "استدرت وأغلقت الباب ورأيت أمي أمامي، تهم للخروج من المنزل للحاق ببقية الأسرة، لكن صوت صاروخٍ كان أكثر قربًا من السابق".

بينما كانت ذراعا محمد تعانق والدته، رأى توهجًا كبيرًا في السماء التي ارتدت ثوبًا أحمر سرعان ما تلاشى على وقع اهتزاز البيت رجاتٍ أخرى، أدرك أن القصف أسفل المنزل، انقطع التيار الكهربائي وأصبح المكان مظلمًا أشعل ابنها ضوء هاتفه، "وين يما القصف؟".. قبل أن تصل كلماتها لأذن ابنها، كان الصاروخ الثالث قد سقط ولكن هذه المرة في منزلهم.

تتحرك التفاصيل بصوت محمد "تهاوت معه الجدران، شعرت وكأن شيئا يسحبني نحو الأسفل كمن يقع بين رمال متحركة، دارت بي الدنيا من اتجاهاتها الأربعة، كنا نتقلب بين الردم ونشعر بارتطام الحجارة في أجسادنا".

تحت الأنقاض.. تمر الدقائق وكأنها جبال لا تتحرك؛ لا يرى محمد إلا سوادًا حالكًا، يطمئن على والدته "ماما، سمعاني؟"، لا يعرف إن كانت حية أو لا.

"محمد سامعني؟".. نادت سناء على ابنها بينما تحاول مد يدها التي كانت ترتطم بحجارة تحاصرها من كل اتجاه ومكان، "يما هيني" صوته الخافت الذي بالكاد استطاعت أحباله الصوتية حمله مرة أخرى أثلج قلبها "انت عايش؟ فيك جروح؟".

- مش عارف إذا في جروح ولا لا، كل جسمي بوجعني.

- طيب انتبه على حالك.

- يما بدي أتصل على الدفاع المدني.

- اتصل.

"انتبه، ارفع سقف المنزل بهدوء"، "سأتفحص.. هل يوجد أحد يسمعني؟، "لا، لا يوجد، انتظر ربما هذا المكان الذي تحت محمد وأمه" أصوات طاقم الدفاع المدني متسارعة، يأمر ضابط الفريق سائق الجرافة بالتوقف "مهلا مهلا.. سأتفحص جيدًا" الجيران والناس فوق الردم يتعلقون بقشة أمل "يا رب، يا رب يطلعوا عايشين".

صوت هدير محرك الجرافة القادم من الأعلى، أيقظَ محمد من غفوةٍ أسدل فيها ستار النعاس على عينيه، صوت هاتفه يرتج، المتصل صديقه "عبد الله".. كمن تعلق بحبل الأمل التقط صوت المتصل وأمسك به، ثم تتحول مخاوفه لأوامر لصديقه: "هيني تحت الردم، أنا عايش مع أمي، سامع صوت الجرافة".

"انتبه، ارفع السقف بهدوء، هناك حفرة صغيرة، أنزل رأسك من الحفرة" ينادي ضابط الدفاع المدني. حرر فريق الدفاع المدني محمد من بين أنياب الأنقاض، تملأ الجروح كل أنحاء جسده، وواصل الفريق إزالة الركام والأعمدة الإسمنتية التي تحاصر والدته، ونقلت للمشفى لتلقي العلاج كمن عادا من الموت.

لكنهما أفاقا على صدمة أكبر، فقد استشهد اثنان وعشرون فردًا من عائلة الكولك، بينهم والد محمد فواز (63 عامًا) وشقيقته ريهام (32 عاما)، وشقيقه عبد الحميد (23 عاما)، وشقيقه سامح وزوجته آيات وابنهما قصي، تجمع قائمة الشهداء ثلاثة أجيال، من أعلى الشجرة يعتليها الحاج أمين الكولك (95 عامًا) ويذيلها قصي ابن حفيده (ستة أشهر).

كل العائلة التي كانت تحت الدرج وتهم بالخروج من المنزل طالتها الصواريخ، لم تعطهم فرصة للنجاة ولا للتنفس ولا للحياة، لكل واحد منهم تفاصيل أخيرة كان يفعلها هربا من الصواريخ، في جريمة إبادة جماعية استشهد فيها أيضا بشارع الوحدة ستة وأربعون شهيدًا من الجيران التي انهالت عليهم الصواريخ بنفس الطريقة، دون سابق إنذار، لتبقى من أكثر المجازر التي تكشف عن دموية الاحتلال الإسرائيلي.