مؤشرات انهيار المنظومة الأمنية الإسرائيلية

سلسلة انهيارات أصابت المنظومة الأمنية الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، لكنها تعاظمت مؤخرًا مع تصاعد عمليات المقاومة الفلسطينية، ودخول ساحات جديدة إلى بؤرة المواجهة مع كيان الاحتلال، وتنامي هواجس قادة الاحتلال من المستقبل المجهول الذي يواجه كيانهم الصهيوني، والتشكيك بقدرته على اجتياز العقد الثامن، وهي هواجس متزايدة عبر عنها رئيس حكومة الاحتلال السابق إيهود باراك في مقال نشره قبل أيام في صحيفة يديعوت أحرنوت العبرية وذكر فيه أن "إسرائيل أبدت قدرة ناقصة في الوجود السيادي السياسي"، وأنها تعيش في "نقمة العقد الثامن" في إشارة واضحة إلى الضعف الذي ضرب أركان الكيان الصهيوني خلال السنوات الأخيرة.

الخوف من المستقبل المجهول وعقدة العقد الثامن ليسا العامل الوحيد الذي يضرب جذور كيان الاحتلال، ويُضعف تماسكه، ويخلخل منظومته الأمنية، فنجاح المقاومة الفلسطينية في اجتياز الحصار الإقليمي والدولي، وفشل مخططات استئصالها في الضفة، واتساع حاضنتها الشعبية في عموم الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي مقدمتها مدينة القدس، ومواصلتها تعزيز قدراتها العسكرية والأمنية، وإصرارها على تحدي الاحتلال، واعتمادها نبرة التهديد والتحدي في مخاطبة الاحتلال، وهي اللغة التي صدح بها قائد حركة حماس في غزة يحيى السنوار، وأكدها تصريح "أبو عبيدة" الناطق العسكري باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، جميعها عوامل تُسهم وبدرجات متفاوتة في هدم أركان الكيان وبث روح اليأس والهزيمة في المجتمع الصهيوني. 

حالة الانهيار المعنوي غير المسبوقة التي أصابت كيان الاحتلال نتيجة العمليات الفدائية في بئر السبع والخضيرة وتل أبيب والقدس و "بني براك" و"آرئيل" وأخيرًا في "إلعاد"، التي قُتِل فيها تسعة عشر مستوطنًا وجنديًّا صهيونيًّا، كشفت خللًا عميقًا في منظومة أمن الاحتلال، حيث نجح الفدائيون في الوصول إلى عمق الكيان، ونفذوا عملياتهم بنجاح، وأوقعوا قتلى وجرحى بين صفوف الاحتلال، وكشفوا اللثام عن حالة الجُبن التي تسري في كيان الاحتلال، والتي يتسم بها الجمهور الصهيوني، فقد أسفرت عملية الشهيد رعد حازم على سبيل المثال عن فرض حظر تجوال على جميع سكان مدينة تل أبيب لساعات طوال. 

فشل مخططات الاحتلال في فرض التقسيم الزماني والمكاني في باحات المسجد الأقصى شاهد آخر على حالة الانهيار المتسارعة التي تعانيها المنظومة الأمنية في كيان الاحتلال، فبعد ثبات المعتكفين في المسجد الأقصى، وإصرارهم على الدفاع عن المقدسات في مواجهة التهويد، وتحذير المقاومة من تكرار عملية "سيف القدس" لمسنا تراجعًا ملحوظًا في أعداد المقتحمين لباحات المسجد الأقصى، وحرصًا صهيونيًا على عدم استفزاز المقاومة، من خلال منع شرطة الاحتلال للمستوطنين من رفع العلم الصهيوني في باحات الأقصى، بل وتحميل بعض الحاخامات للمقتحمين مسؤولية تصاعد الأحداث نتيجة اقتحامهم للمسجد الأقصى، وهي شواهد تشير إلى تنامي قوة الردع الفلسطيني، وفي ذات الوقت هي عملية كي وعي في أذهان جمهور الاحتلال بأن بقاءهم في الأرض الفلسطينية محفوف بالكثير من المخاطر والتهديدات، وأن أجيال الفلسطينيين المتعاقبة ما زالت عازمة على كنس الاحتلال من أرض فلسطين. 

واليوم وفي ظل ثبات المقاومة واستمرار ضرباتها في عمق الاحتلال، ضمن موجة جديدة من العمليات الفدائية المؤلمة لكيان الاحتلال، التي كشفت سوأة منظومته الأمنية، وفضحت هشاشتها وضعفها على رؤوس الأشهاد، بات الاحتلال بحاجة ماسة إلى صورة ولو رمزية للانتصار كي يقدمها لجمهوره الذي أصابه الإحباط، فحاول تقديم إنجاز صوري من خلال تصريح لمسؤول أمني صهيوني قبل أيام لقناة كان العبرية بأن جيش الاحتلال نجح في إحباط 66 عملية فدائية، واعتقال أكثر من 500 فلسطيني، وأطلق تهديدات باغتيال قادة المقاومة في غزة والخارج رغم إدراكه أن اغتيال قادة المقاومة لا يوقف تصاعدها، وأن الإقدام على تلك الخطوة الحمقاء سيفتح على كيان الاحتلال أبوابًا لا يطيقها من الغضب الفلسطيني القادم.