الردع التائه

يتخبط الاحتلال وأجهزة مخابراته وأذرعه العسكرية في الآونة الأخيرة على وقع ضربات مؤلمة في قلب الكيان والمستوطنات؛ فكانت القراءة في التوقيت والمكان والمنفذين مختلفة تماما عن قواعد الاشتباك التي اعتادها في التعامل مع الفلسطينيين.

عمليات فردية وأخرى منظمة تتزامن معها حاضنة شعبية قوية، يضاف لها توجيه مباشر ولأول مرة من قيادة المقاومة لكل الشباب الثائر، هنا يتناول الاحتلال ملف الردع ليرى حجم التأثير فيصدمه الواقع الذي ارتسم من جغرافيا العمليات التي لم تبدأ في بئر السبع ولم تنتهِ في تقوع حتى اللحظة مرورا بالخضيرة و"تل أبيب" و"إلعاد" وباب العامود و"حومش" و"أريئيل" وغيرها.

الجغرافيا التي نجحت في هذا المسار أدخلت إلى أسباب انهيار الردع عنصر الاستباق لأي عمل أمني للاحتلال يحبط العملية، فكان هو من تصفعه الأحداث وهو من يسمع عن العمليات كما غيره من وسائل الإعلام، هذا يعد فشلا كبيرا لا سابق له في دولة الاحتلال، فالردع الذي كان يتغطى به ليمنع اكتمال منظومة المقاومة في عقول الشباب الفلسطيني بات ضائعا تائها بين جثث قتلى وجرحى وممكن أن تصل الأمور إلى فقدان جنود لاحقا في الضفة الغربية في ظل تآكل الردع وتنامي النفس الثوري.

نتحدث عن زوايا مهمة هنا علها تكون تراكمية ومأخوذة من واقع عززه صمود الفلسطينيين كما غزة مثلاً التي استخدم معها الاحتلال أعتى قوة لتعزيز ردعه لها على كل الصعد؛ فما كان منها الآن إلا أن تلغي من قاموس حتى أطفالها ما يسمى الردع؛ فبات الصاروخ والجندي الأسير والطائرة بدون طيار ومضاد الطائرات وما لا نعرفه حتى اللحظة؛ كلها أدوات امتلكها من نسف الردع الأمني والعسكري بصموده، حتى وحدات الاحتلال الخاصة سُلبت هيبتها هناك.

الآن وفي الضفة الغربية حيث لا يتوقع الاحتلال أن يتيه الردع الذي بناه لسنوات بعد انتفاضة الأقصى معتمدا على ماكنة التنسيق الأمني والإعلام المهزوم وسلاح الشائعة والسلام الاقتصادي وشيطنة المقاومة ومنع الديمقراطية وسياسة التنقيط الأمني، جاءت الأحداث صادمة يقودها شبان فلسطينيون فقط ينفذون العمليات حينما يقررون وتوجههم قيادة المقاومة ضمن سياسات عامة وليست تنظيمية، لعل أهم ما أنجح هذه المرحلة هو البناء الصحيح للجبهة الداخلية وتحصينها خاصة بعد سيف القدس التي سلبت جنديا على باب الأقصى الردع الذي كان يمارسه دون حساب.

الردع التائه الآن بين أخبار العمليات وعبقرية المنفذين وكم الخسائر التي يتلقاها الاحتلال تجعل الأمور أكثر صعوبة في حسابات حكومة هشة لا تقوى على الأقدم فتكسر؛ ولا على الانتظار فتهرم.

تهرع كل الجهات لدى الاحتلال للبحث عن آليات استرجاع ولو بعض من الردع من خلال الهروب نحو قمم التطبيع والتنسيق تارة -رغم معرفتهم المسبقة بأنها لم تعد تجدي- وتارة إلى محاولة عزل قيادة المقاومة وخطابها عن الجمهور كي توقف نزف ردعها وذلك من خلال إعلام مأجور يعزز الاستهزاء بكل ما هو ضد الاحتلال؛ وأخيرا مشهد المحقق المرتجف الذي يحاول أن يبث المعنوية في صفوف المستوطنين ويحبط الفلسطينيين وهو يستجوب منفذيْ عملية "إلعاد" فكانت صدمة أخرى جديدة لهم من خلال هدوء الأعصاب للمنفذين وإجاباتهما البسيطة التي لخصت المشهد حينما سألوهم "شو عملتوا؟" قالوا: "ضربنا ناس هون بإلعاد".

المشهد الأخير الذي قلب السحر على الساحر لحقه في أقل من ٢٤ ساعة؛ ثلاث عمليات في باب العامود وبيت لحم وشمال الضفة، بينما عجت وسائل التواصل للمستوطنين بغضب ورعب على المحقق المرتجف الذي حاول فاشلا أن يكسر صورة المنفذين من خلال تصويرهما وهما على الأرض وهو فوقهما؛ فإذا بسحره انقلب ضده وكانت المشاهد معززة للثقة بالنفس لدى مطارد منذ أيام انتفض للقدس أمام مدجج بالسلاح وكاميرا البحث عن منعش للردع الذي دخل غيبوبة مميتة قد تصل مع قادم الأيام للموت السريري.