مرض نادر يُحوّل حياة الأسير القواسمة إلى أنين لا يهدأ

...
الأسير المريض ماهر القواسمة
الخليل-غزة/ فاطمة الزهراء العويني:

أنينٌ ليلًا ونهارًا من فرط الألم الذي يشعر به، هذا هو حال الأسير المريض ماهر القواسمة الذي تغيبه سجون الاحتلال الإسرائيلي ويقاسي داخلها "آلامًا مبرحة" في إثر إصابته بمرض جلدي نادر، يُضاف لعدة أمراض مزمنة يعانيها مسبقًا، الأمر الذي يُقابله الاحتلال بعنجهيته المعتادة وإهمال طبي يمارس بحق الأسرى المرضى جميعًا.

أنَات القواسمة تلاقي صداها في أرجاء منزله بين زوجته وأطفاله الثلاثة الذين يتألمون لألمه دون أن يجدوا مساندًا من أي منظمات دولية للضغط على الاحتلال لتخليص رب الأسرة من آلامه التي أقعدته عن المشي.

فالقواسمة الذي اعتقله الاحتلال الإسرائيلي في 2015م وحكم عليه بالسجن لمدة ثماني سنوات يعاني أمراضًا مزمنة هي:القلب، والكوليسترول وتفاقمت معاناته الصحية بعد ظهور "حبوب غريبة" على قدميه في العام الماضي سببت له آلامًا شديدة، كما تبين لـ"فلسطين" زوجته إيناس الرجبي.

وكعادة الاحتلال في التعامل مع الأسرى المرضى لم يُقدم له سوى المسكن لمدة أربعة شهور لكن الألم لم يخف بل تضاعف، فتلك الحبوب وصلت إلى عظم رجليْه حتى بات غير قادر على الحركة، ما اضطُر الاحتلال لنقله للمشفى وهناك تم تشخيص الحالة بعد أخذ جرعة بأنه مصاب بمرض جلدي نادر يصيب واحدًا من بين مئة ألف مليون شخص.

وهذا المرض تأكل فيه خلايا جسم الإنسان بعضها بعضًا، ويحتاج المريض لإيقاف هذا التآكل للحقن بإبرة تُكلف في (إسرائيل) 23 ألف شيقل، يماطل الاحتلال في إعطائها له حتى اللحظة، "حتى إن المسكنات منذ الأسبوع الماضي لم تعد تجدي نفعًا في تخفيف آلامه حتى إن الاحتلال لم يعد يقدمها له.

حرمته النوم

تقول زوجته:"زوجي لا ينام ليلًا ولا نهارًا، الجمعة الماضية حمله زملاؤه الأسرى إلى "الفورة" وهناك حاول المشي فسقط أرضًا، فذهبوا به لعيادة السجن إذ شخص الأطباء هناك بأن وضعه من سيئ لأسوأ وأنه يجب أن يُنقل فورًا للمشفى لكنهم لم يفعلوا له شيئًا".

وما يزيد ألم عائلة القواسمة أن إدارة السجن رغم أنها مقتنعة بسوء حالته الصحية وضرورة وجوده في المشفى لا في السجن، إلا أنها لا تحرك ساكنًا للتخفيف من معاناته، فيما لا توجد أي جهة يمكنها أن تمارس ضغطًا على (إسرائيل) لوقف الإهمال الطبي الذي تمارسه بحق الأسرى المرضى.

وتضيف الرجبي بأسى:"فمَنْ يرى وضع زوجي يتعجب من كونه على قيد الحياة حتى اليوم، فهو لا يستطيع التوقف عن الأنين من الألم حتى وهو يتحدث معنا".

وتضاعف آلام القواسمة من ألم البعد الذي تعانيه أسرته في غيابه، فقد كانت زيارة أبنائه له في شهر مارس الماضي بعد منعهم لمدة سنتين ونصف بحجة "كورونا"، مزيجًا من الألم والفرح؛ الفرح للقائه بعد كل هذه المدة، والألم والدموع بسبب الشوق.

وأضافت الرجبي:"لم تتوقف عيونه عن الدموع وهو يرى أبناءه الذين تركهم صغارًا كبروا وتغيرت ملامحهم، وهم تألموا لرؤيته مريضًا هزيلًا لم يستطيعوا احتضانه".

ضغط نفسي

وما زاد من حزن الأسرة هو الأخبار التي ترد إليهم من السجن عن تدهور وضع والدهم الصحي، وأنّ حالته من سيئ لأسوأ، "فهم دائمو السؤال عنه وعن أخباره، لقد مرّ العيد الثالث عشر علينا كما أنه العيد الأول، لم نستطِع التأقلم مع غياب عمود الدار".

وتتابع:"أحاول إخفاء دموعي وألمي عن أبنائي لكني أفعل ذلك عبثًا، فبالأمس فقط كنت أجلس وحيدة منغمسة في البكاء ففاجأتني ابنتي الكبيرة بطلبها مني أن آخذ راحتي بالبكاء حتى أُخفّف من الضغط النفسي الذي أعانيه".

فإخفاء وضع الأسير القواسمة عن أبنائه أصبح أمرًا مستحيلًا، فهم واعون لما يدور حولهم حيث أنّ أكبرهم تبلغ من العمر خمسة عشر عامًا والصغيرة عشرة سنوات، "وكل ما يسمعونه في الأخبار يؤثّر فيهم سلبًا، فهم متخوّفون على حياة والدهم كثيرًا، ويتمنون اللحظة التي يحتضنهم فيها وهو حر طليق".

وفي الوقت ذاته فإن المسؤولية الكبيرة التي تقع على عاتق الرجبي تُشعرها بضغط نفسي كبير، لكونها تعمل كمُدرّسة في روضة للأطفال، وتُعيل أسرتها، وتُتابع شؤونها كلها، "الأمر ليس بالسهل أبدًا، أن أعيش دون زوجي الذي كان يحمل كل تلك المسؤوليات على عاتقه، وفي الوقت نفسه فإنّ الخطر يُداهم حياته دون أن يُحرّك العالم ساكنًا".

وكان نادي الأسير أوضح أنّ المعتقل القواسمة (43 عامًا) من الخليل يُعاني وضعًا صحيًّا صعبًا، من جراء إصابته بمرض نادر، يتسبّب بتآكل في خلايا الجلد، والتي تؤدي إلى تكوُّن حفر في أطرافه.

وأوضح نادي الأسير، في بيان، أنَّ تفاقمًا طرأ على وضعه الصحي مؤخرًا بعد ظهور المرض بشكل كبير على ساقيه، من جرّاء المماطلة التي تعرّض لها، ورغم ما بيّنته الفحوص الطبية من أنّ المرض آخذ في الانتشار، إلا أنّ إدارة السجون تكتفي بإعطائه مُسكنات.

يُذكر أنّ نحو 600 أسير يعانون أمراضًا ومشكلات صحية من بينهم 200 حالة مزمنة بحاجة إلى متابعة صحية حثيثة، وجميعهم يواجهون جريمة الإهمال الطبي (القتل البطيء) التي تُشكّل أبرز السياسات التنكيلية المُمنهجة التي تُنفّذها إدارة السجون بحقّ الأسرى.