فلسطين أون لاين

تقرير الطفل "زكارنة".. قتله جنود الاحتلال قبيل الإفطار ووالدته تودعه بالزغاريد

...
غزة/ يحيى اليعقوبي:

بينما تلقي أمه السلام الأخير على جثمانه، تلألأت الدموع في عينيها وانسكبت ترافق صوتها "فدا الأقصى يمّا.. مع السلامة يما".. أم مكلومة تلسعها حرقة القلب وهي تشيعُ جثمان ابنها وتواريه الثرى بدموعها، أما شقيقته الطفلة "سيدرا" فطبعتْ قبلة الوداع على جبينه.

كان يدخل محمد البيت ويغادره وهو يغني "زغردي يا إم الشهيد"، تستذكر والدته ذلك ووصاياه المتكررة لها "اغسلي العلم ولما أستشهد ارفعيه ولفيني فيه" لتلبي وصيته هي وبقية النسوة حينما جئن ليودعنه شهيدًا، ثم انطلق المشيعون من أمام منزله وهم يلفونه بعلم فلسطين مرددين: "يا أم الشهيد نيالك.. يا ريت أمي بدالك".. من خلف النافذة ظلت تعانقه بعيونها وهي تلقي السلام عليه بينما يتوارى موكب المشيعين شيئًا فشيئًا من أمام ناظريها.

والده، عاد إلى منزلهِ تملؤه رائحة الفقد، يحاول المعزون تخفيف وطأة الحزن الذي يضرب قلبه حينما انطلقوا نحو المقبرة، وألقى هو نظرته الأخيرة، لم يرجع إلا بطيف ابنه وضعه في أدراج الذكريات ليذكره بمحمد عندما تهب عليه نسمات الشوق للأيام "الحلوة" التي جمعته مع نجله الشهيد الفتى محمد زكارنة (17 عامًا).

في العاشر من مارس/ آذار 2022، (التاسع من شهر رمضان)، قتل قوة إسرائيلية خاصة، الفتى محمد وهو عائد من عمله في بيع الخضار لتناول طعام الإفطار مع عائلته.

يتساءل والدة بحرقة: "ايش عمل الولد، ما كان معه لا سلاح ولا حجر، وحتى لو ألقى حجرًا ماذا يشكل عليهم؟! فلا يحق لهم أن يقتلوه".

ويضيف: "كل أب بتمنى يكون إله ابن زيه، مرضي من الجميع الكل بحبه، طلع من المدرسة قبل عامين عشان يبني مستقبله، كان يشتغل ببيع الخضار".

رصاصة واحدة أطلقها الجندي الإسرائيلي على خاصرة محمد، أدخلته لغرفة العناية المركزة لمدة خمس ساعات بذل الأطباء جهدًا كبيرًا يحاولون إسعافه في وقف النزيف، لكن كان تأثير الرصاصة المحرمة دوليًا من النوع "المتفجر المبتلور" أكبر من كل هذه الجهود، فهذا النوع من الرصاص يخترق الجسم، وتتفجر إلى شظايا صغيرة تنتشر في جميع أنحاء منطقة البطن في الجسم فلا يترك مجالاً لسلامة المصاب.

تنهيدة حارة تطبق على صوت والده وهو يستحضر آخر صورة لابنه، "بعد الإصابة كان متبسمًا، ابتسامة جميلة ليست ابتسامة شخص خائف لم يكن وجهه مصفرًا، رأيته مضيئًا قلت له: "محمد؛ لا تخف" فرد عليّ بنفس الابتسامة كمن يذهب لمشوار وهو مطمئن على مستقبله: "تخافش علي يابا".

وقف والده خمس ساعات أمام باب غرفةِ العناية المكثفة، يتعلق بقشة أمل بأن يعود صوت ابنه يغرد للحياة، لكن أنفاسه توقفت عن الهدير، وخرج إليه الطبيب يعلن إليه استشهاده، للحظات وقف غير مستوعب لما قاله له الطبيب "الله يصبرك" للحظات لم يصدق أن محمد الذي تبسم له وهو مصاب، وحدثه، حزم حقائب الرحيل بلا عودة.

كانت أحلام محمد بسيطة، كان شغله الشاغل وهمه الأكبر، هو توفير دخلٍ لعلاج أمه المريضة، كان يخرج من الصباح الباكر ويبيع الخضار على عربةٍ يجرها بيديه ليجلب الدواء لأمه، يتوقف والده هنا مطولاً، "كان دخله لا يكفي لعلاجها، فبالكاد يكفي لمصروفه الشخصي لأنه ما زال في بداية عمله في بيع الخضار، لكنه يطلب منها أن تذهب للطبيب للعلاج، وعندما يشعر أنها متألمة أو يشتد عليها المرض، يصر أن تذهب للعيادة، وإذا رفضت وهي تقول له: "اعمل اشي الك" كان يحضر لها السيارة ليحرجها وينقلها للعيادة".

الحزن يستوطن قلب والده ويضرم ناره فيه، يبكي رحيل ابنه، يتوقف عند حدثٍ لافتٍ جمعه بمحمد قبل يومين "عاد من عمله متعبًا ومرهقًا، لكن عندما علم باستشهاد أحمد السعدي، ذهب وشارك بالجنازة، فلما رجع للبيت رأيته بوجه مصفر وعلامة التعب واضحة عليه، صرخت عليه من شدة خوفي، والآن أعض أصابع الندم أني أعليتُ صوتي عليه ليته يعود لأقبل رأسه". 

تعلق محمد بالمسجد الأقصى، وقبل شهر حصل على إذن من والده بزيارة المسجد، لكن الاحتلال وأمام صغر سنه أوقفه عدة ساعات وكان يريد اعتقاله، ينقل والده عما رواه له نجله "أخبرني أنهم ضربوه وشتموه، لكنه وقف أمام الجنود بشكل صلب وبنظرات حادة، وأعلى صوته عليهم كما أعلوا أصواتهم عليه، فكان شجاعًا لا يخاف، يومها أثنيت عليه وقلت له: "كرامة بالدنيا كلها، حتى لو قتلوك" وكانت حجتهم بمنعه الصلاة في الأقصى أنه شاب صغير، عندما يرون الجنود شبانا يشهرون أسلحتهم".