المقاومة العبثية

في معادلة الشعوب احتلال تقابله مقاومة، وتتزامن مع المقاومة والمساومة أصوات الخيانة من جهة أو التبعية والتراجع من جهة أخرى؛ ومن ثالثة الثبات والتعبئة، وتسير المجريات فتضاف لها معادلات الدول ومصالح الكبار ومحطات الصراع، وهنا وهناك يسجل دوما النصر للمقاتل وللثائر ويمسح من خريطة الأحداث المهادن الضائع.

في حكاية فلسطين كثيرا ما هدرت الفرصة من جراء مشاريع كان أبرزها "أوسلو" تلك الاتفاقية اللعينة التي غيرت ملامح المشهد من شعب مقهور يقاوم الاحتلال إلى مسرحية سلام يحاول ضربها الإرهاب؛ فغيروا المصطلحات وروضوا المفرزات وتعاونوا في كل المجالات واختلط الحابل بالنابل وبات المقاوم إرهابياً والمخلص خائنا والصامد متخلفا والمواجه متهورا وصاحب أجندات.

وتم ضخ الكثير من البرامج الأمنية والاجتماعية والإعلامية والاقتصادية والسياسية بتكلفة مليارات الدولارات لصناعة الفلسطيني الجديد الذي يرى المحتل صديقا والمقاوم عدوا وخبيثا.

وتوالت مؤتمرات الإرهاب ومقاطعة المنتخبين واعتقالهم وتشويه المقاومين وأهدافهم، إلا أن مراحل مهمة كتبها صمود الشعب ومقاومته صفعت مضمون تلك المشاريع وأعادت الهيبة للحرية والكرامة المنشودة رغم العزلة والتضييق والتشويه.

ارتفعت المعنويات على وقع معادلة المقاومة التي لم تعد تحمل في حساباتها تراجعا أو هزيمة من أسر للجنود إلى صد للعدوان وصاروخ يهز الأركان؛ ثم إلى وحدة نسجتها جغرافيا الثبات لروح مقاتلة أعيدت للفلسطيني فبات الفلسطيني الجديد على طريقة المقاومة.

إلا أنه ما زالت تلك المعادلة الدولية تحمي ظهر الاحتلال وتركز على معادلة الإهانة للشعب الفلسطيني ومقاومته بكل محافلها الدولية مضللة بذلك الرأي العام الدولي لتبقى صبغة الحقد والإرهاب فقط منبعها الفلسطينيون وأن الاحتلال بريء ويريد السلام والأمان.

جاءت أحداث أوكرانيا وهنا سقط القناع عن تلك الحملات والمواقف والمعادلات وحتى أحجار الشطرنج التي استخدموها في المنطقة ومن أبناء جلدتنا.

كشف العالم الغلمان حينما تغيرت نبرتهم ملتحقة بنبرة الأسياد، لم يتغير شيء في الأحداث؛ احتلال وشعب يقاوم ولكن هنا الصدمة في النظرة للمشهد كيف كانت المعايير المزدوجة والتضليل المنكشف فكانت بعض الأمثلة: 

* المولوتوف والحجر والصاروخ "مقاومة عبثية" في فلسطين بينما في أوكرانيا تعبئة وتحرر وعزيمة وإرادة.

* المرأة تساند الأحرار في فلسطين "عيب ولديها مشكلات اجتماعية"، أما في أوكرانيا فهي مكافحة محبة لوطنها.

* الطفل في مسيرة بفلسطين "تضليل للطفولة من الإرهابيين وتفتيش في حقيبته على السكاكين" بينما الذي يحمل سلاحا في أوكرانيا فهي طفولة ثائرة ومعبّرة.

* حكومة منتخبة في فلسطين تقاطَع وتحاصَر ويعتقَل كوادرها؛ بينما نظام فاسد في أوكرانيا وغلمانهم العرب فهذه دولة وسيادة ودعم.

* من يتجاوز حدود غزة هرباً من القصف سنكسر قدمه؛ بينما الأوكراني بالورود يستقبلونه دون حدود.

* إعلام محظور وملاحق لنقله الحقيقة في فلسطين؛ بينما تُفتح موجات التحريض على العنف والقتل لدعم أوكرانيا.

معايير أمريكا المزدوجة التي جندت غلمانها كي يكونوا السياط على شعوب مقهورة بمال سياسي حقير وعبثي.

العبثيون الجدد غلمان أمريكا حينما قالوا عن الشعب وثقافته مقاومة عبثية!