حرب أوكرانيا وقلق (إسرائيل) الوجودي

على الرغم من أن كيان الاحتلال سارع بإظهار اصطفافه إلى جانب أوكرانيا ومن خلفها الحلف الغربي كله، عشية الهجوم الروسي على أوكرانيا، إلا أن بعض المستويات الإعلامية الصهيونية عبّرت عن شيء من القلق في قراءتها للموقف الأمريكي الأوّلي من العدوان، والذي عبّر عنه الرئيس الأمريكي بايدن في إطلالته الأولى بعد اندلاع الحرب، مؤكدا عدم نية بلاده المشاركة في الحرب أو إرسال قواتها إلى أوكرانيا لردع الهجوم الروسي.

كان طبيعياً أن يتجلى القلق الإسرائيلي عبر تساؤلات تنظر إلى المستقبل، وتكهنات حول الحال الذي سيكون عليه الموقف الأمريكي في حال اندلعت مواجهة بين كيان الاحتلال وإيران مثلاً، أو حتى على الجبهة الشمالية مع لبنان، وتلك التساؤلات تستبطن خشية من أن يكون الموقف الأمريكي وقتها بمثل هذا البرود، وألا يتطور لاصطفاف عملي كامل مع "إسرائيل" ومشاركة إلى جانبها في الحرب.

بطبيعة الحال، ثمة عوامل كثيرة تحكم الموقف الأمريكي من الحرب في أوكرانيا، والحرص على ضبطه وعدم المسارعة -حتى الآن- للتورط في حرب يُراد أن تنغمس فيها روسيا وحدها وتتحمل تبعاتها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، لكنّ الموقف الأمريكي قد لا يكون بالضرورة بمثل هذا الانضباط في حال كان المستهدف كيان الاحتلال، وكان الطرف المقابل له إيران، فإسرائيل كيان وظيفي يلعب دوراً بالغ الأهمية لصالح أمريكا ومنظومة مصالحها في المنطقة العربية، ولن تكون التضحية به سهلة، إلا في حال كان ثمن تثبيته أعلى، أو كانت أمريكا منشغلة بنفسها وبما هو أهمّ من رعايتها كيان الاحتلال، في حال حدثت تطورات متسارعة ومفاجئة للحرب الحالية، واتسعت دائرة الأطراف المشاركة بشكل مباشر فيها.

لكن القلق الصهيوني من المستقبل يعكس إحساساً حقيقياً بتنامي الخطر من حوله، وعدم التيقّن من حتمية بقائه، وهذا قلق وجودي لم ينفك ملازماً لكيان الاحتلال منذ تأسيسه، ليس فقط لأنه كيان إحلالي استعماري تأسس على أنقاض شعب أصيل الوجود، بعد تهجيره وسلبه أرضه، بل كذلك لإحساس هذا الكيان أنه سيبقى مكوّناً غريباً ونافراً وسط محيط عربي كبير، مختلف عنه ومعادٍ له، حتى مع السياسات التطبيعية العربية الرسمية التي ظلت جوفاء، ولم تفلح في دمج الكيان معنوياً داخل المحيط العربي أو جعله متقبلاً نفسيا.

إن الكيان الذي يعيش أزمة وجود، تتجلى في هلعه الدائم من المستقبل، ومراكمته كل ما من شأنه تحصين أمنه، إلى درجة عسكرة مجتمعه كلّه، ومبالغته في البطش بكل عمل مقاوم له، هو بالضرورة كيان هش، في جوهره وداخله، وفي مقدار انغراسه في هذه الأرض، وهو انغراس شكلي ووهمي، وإن أي مواجهة حقيقية له على صعيد المقاومة كفيلة بنسف منظومته الأمنية والنفسية، والشواهد على ذلك كثيرة جداً من واقع الانتفاضات الفلسطينية كلها، وحتى من أعمال المقاومة الشعبية المُجدية التي نجحت في ردعه ووقف مخططاته الاستيطانية في مواقع وأوقات كثيرة.

غير أن الأولوية الفلسطينية المقاومة ينبغي أن تتطور اليوم، وتخرج من دائرة تحقيق الردع إلى دائرة أخرى أوسع، مستفيدة من هواجس الوجود التي تهيمن على الكيان، ومن أي لحظة دولية فارقة وغير مستقرة، ومما خطته معركة سيف القدس من معالم جديدة، أظهرت مكامن مهمة حول قوة الفلسطيني، مثل إمكانات وحدة الساحات المقاومة، وإلى أي مدى يمكن لهذه الوحدة أن تغدو تهديداً وجودياً لكيان الاحتلال، إن شملت جميع الساحات في ظرف زمني واحد.