القضية الفلسطينية في قلب الحرب على أوكرانيا

أشغلتنا الحرب على الأراضي الأكرانية، وأثارت اهتمامنا بشكل يفوق كل دول العالم، فنحن في البلاد العربية لنا تجاربنا الخاصة مع هذه الحروب الدولية، وقد اكتوينا بنتائج حربين عالميتين أحرقت حياتنا، ومستقبل الأجبال، وتركتنا مزقاً، رغم بعد المسافة عن ساحة القتال، إلا أن صدى المعارك الدولية ظل يتردد في شوارع البلاد العربية احتلالاً وسيطرة على المقدرات، وتدخلات في شؤوننا الداخلية، حتى صارت بلاد العرب مطية لكل هزيل، تسيطر على مفاصل شؤونها دولة صهيونية، زرعها النظام العالي في شرايين الأمة.

الحرب على الأراضي الأوكرانية ترسم معالم نظام عالمي جديد، نظام يرفض الانصياع لسياسة القطب الواحد، الذي سيطر على الكرة الأرضية منذ عشرات السنين، فجاءت الحرب لتعلن التمرد على الإملاءات الغربية، والتحدي للسياسة الغربية التي ضيقت الخناق الاقتصادي على حياة الروس، وضيقت الحياة السياسية على غيرهم من شعوب الأرض، الذين دمرتهم السياسة الأمريكية المنحازة لكل دكتاتور مستبد، ولكل تحالف دولي صب الموت على رأس الشعوب الباحثة عن حريتها، ولكل عدوان إسرائيلي فجر أحقاده الدفينة ضد الشعوب العربية.

الحرب على الأراضي الأكرانية هي حرب ضد حلف الناتو، العمود الفقري للنظام العالمي، الحلف الذي يتحكم بالسياسة الدولية، والذي يتحمل المسؤولية الكاملة عن تخلف دول العالم الثالث، وعن انتشار الفساد في ربوع الأرض، وعن تفشي الطائفية والمذهبية والصراعات الداخلية، وحلف الناتو هو المسؤول عن الفوضى المنظمة في أكثر من بقعة من الأرض، وهذا النظام الدولي هو المسؤول عن كل المجازر التي طافت الكرة الأرضية، وهو المسؤول عن استنزاف موارد الشعوب وخيراتها، بما في ذلك الموارد الاقتصادية للبلاد العربية، التي فقدت حريتها، وتم ربط مصيرها في ذيل السياسة الدولية.

حلف الناتو يقف اليوم عاجزاً عن حماية حلفائه، ويواجه قوة روسية صاعدة، رتبت نفسها على كل المستويات العسكرية والاقتصادية والعلاقات الدولية، وهي مستعدة على ما يبدو لحرب طويلة الأمد، لا يقوى عليها حلف الناتو، بعد أن تآكلت قوته العسكرية جراء التناقضات بين أعضائه، والتعارض بين مصالحهم الاقتصادية والسياسية، مع رغبة بعض الدول بالتحرر من الهيمنة الأمريكية، وهي تفتش عن أمجادها ومستقبلها، وعلى رأس هذه الدول تركيا وألمانيا وإيطاليا، وهذه الدول تشكل العمود الفقري لحلف الناتو، وتختزن في ذاكرة شعوبها المرارة والحسرة من نتائج الحربين العالميتين الأولى والثانية.

انفراط عقد الناظم العالمي الذي قاد السياسة الدولة لعشرات السنين لن يخدم العدو الإسرائيلي، فالكيان الصهيوني مولود مشوه للنظام الدولي الذي بسط نفوذه بالقنابل النووية، وقهر الشعوب على مستوى الأرض بإرهابه، لذلك فإن أي اختلال بموازين القوى سيقصم ظهر العدو الإسرائيلي، الذي ربط مصيره بمصير الإرهابيين على مستوى العالم. 

الأيام القادمة تحمل الكثير من المفاجآت، وتنبئ باتساع رقعة المواجهات، وليس لنا نحن العرب والفلسطينيين إلا ترقب الأحداث بحذرٍ شديد، والتدبر في كيفية استثمار المستجدات.