لم تنَم غزة عن شواردها، ويسهر أعداؤها ويختصمون

يقول الفيلسوف والجنرال العسكري الصيني سن تسو "أرقى أنواع النصر أن تهزم عدوك من دون قتال"، ويبدو أن المقاومة الفلسطينية في غزة قد حفظت هذه الحكمة، وأدركت قيمتها، وهي تعد نفسها لمواجهة قادمة مع عدوها، بهدوء وثقة وصمت، مع هز سيف القدس بين فترة وأخرى، وتركت غزة عدوها يكثر من التهديدات والتصريحات، ويكثر من القراءات والدراسات، ويتلقى التقارير عن قدرات غزة، وعن ردة فعلها تجاه المستجدات من الأحداث، وعن مستقبل غزة، وعن طريقة تفكير قادتها.

غزة لا تنام على أذنها، يقظة على مدار التطورات الميدانية، ولكن أعداءها في قلقٍ دائم أيضاً، ومنشغلون بأحوال غزة، وسؤالهم في كل حين، ماذا لدى غزة من مفاجآت؟ ماذا تعد لنا غزة؟ وما هو مستقبل دولة (إسرائيل)، وهي تعيش تحت التهديد اليومي؟ وماذا تريد غزة من وراء هذه التجارب الصاروخية في عرض البحر؟ وهل ستؤثر أحوال الناس المعيشية على قرار القيادة في غزة؟ وهل قادة غزة راضون أم غاضبون؟ وكيف يفكرون؟ وماذا يضمرون؟

من يتابع الأخبار العبرية والصحف والتقارير والدراسات والأبحاث يكتشف أن غزة هي الشغل الشاغل لكل الساسة والقادة والباحثين والدارسين والكتاب والمفكرين، ولا يكاد يخلو يوم من تصريح لمركز أبحاث، أو دراسة لمجموعة أكاديميين، أو مقال لكتاب، وجميعهم منشغلون بغزة، وبطريقة تفكير قادتها، وبما لديها من صبر وإعداد، مع السؤال عن قدرة المجتمع الإسرائيلي على الصمود في وجه صواريخ غزة، وقدرة الأجهزة الأمنية على معرفة ما تخفيه كمائن غزة، وقدرة الجيش على السيطرة الميدانية في أي مواجهة مع غزة، وقد احتار القادة السياسيون والعسكريون والمفكرون والمتطرفون قبل اليساريين في كيفية الخروج من معضلة غزة، وكيفية حل لغز هذه البقعة من الأرض، التي تبلغ مساحتها 1% من مساحة فلسطين.

وغزة ليست في غفلة من أمرها، ولا تتعجل يوم القيامة، غزة تركت أعداءها على كل المستويات والاتجاهات ينشغلون بمستقبلها، وبردة فعلها، فإذا أقام المتطرف إيتمار بن غفير مكتبة في حي الشيخ جراح، فسؤال الإسرائيليين هو: ما موقف غزة؟ هل ستفاجئنا أم ستتريث؟ وإذا تأخر إعمار البيوت المدمرة من العدوان، يكون السؤال الإسرائيلي: إلى متى ستصمت غزة؟ وإذا ضرب البرق حوض المتوسط، يكون النقاش الإسرائيلي عن تأثير ذلك على صواريخ غزة، وإذا اقتحم الجيش الإسرائيلي مدينة نابلس، يكون النقاش في مكاتب الأمن الإسرائيلي، هل سترد غزة؟ أم تتريث؟ وإذا اتخذ القضاء قراراً بإخلاء سكان حي الشيخ جراح، يكون السؤال: هل ستقف غزة مكتوفة الأيدي، أم ستطلق صواريخها على تل أبيب؟

أن ينشغل الأعداء بغزة كل هذا القدر، فهذا انتصارٌ للمقاومة، وزعزعةٌ لأمن واستقرار عدوٍ، تعود الانتصار السريع دون دفع الثمن، وأن يعجز العدو عن فعل شيء ضد غزة، فهذا هو النصر الذي يتحقق دون قتال، وأن ينشغل العدو بالتوقعات والتقديرات دون القدرة على اتخاذ القرار، فهذا هو النصر، وأن يقرأ العدو عواقب الأمور، فهذا هو النصر.

غزة تنتصر على أعدائها بتسجيل النقاط، صحيح هي نقاط لا تظهر للعيان، ولكنها موثقة في دفاتر الأمن الإسرائيلي؛ الذي أمسى يعيش لحظات الخوف والقلق والترقب وانتظار المجهول.