فلسطين أون لاين

تقاوم أنماط وعوامل التغير البيئي 

تقرير في "بنك القرارة" يحفظ المزارع "مهنا" البذور الأصيلة من الاندثار

...
بنك البذور - أناضول
خان يونس/ مريم الشوبكي:

الحاجة إلى المحافظة على البذور البلدية الفلسطينية دفعت المزارع سلامة مهنا إلى إنشاء بنك للبذور، مع غزو الحبوب المعدلة وراثيًّا الأسواق، التي يقبل عليها المزارعون لأنها تحقق لهم إنتاجًّا وفيرًا في مدة قصيرة.

يصبو مهنا إلى إحلال البذور البلدية في المزارع الفلسطينية من أجل تقديم منتج زراعي عالي الجودة، يقاوم العوامل الجوية والآفات، ويرفع من كمية الإنتاج.

ويقطن المزارع الستيني في منطقة القرارة شرقي محافظة خان يونس جنوب قطاع غزة، واستقطع جزءًا من أرضه لإنشاء بنك بذور القرارة بشكله المصغر، بالتعاون مع الصليب الأحمر.

بذوره عمرها (50) عامًا

ويقتني مهنا الذي عمل في الزراعة أكثر من 40 عامًا بذورًا يعود تاريخها إلى ما قبل 50 عامًا، ويبين أن البنك مشروع غير ربحي ويقدم نحو 200 كيلوجرام من القمح للمزارعين في الموسم الزراعي، على أن يعيدوها مع نهايته، بغرض تجديد البذور البلدية وضمان عدم تلفها بسبب عدم توافر مساحات كبيرة لحفظ هذه الكميات الكبيرة.

يقول: "كثيرًا ما تابعت الأنشطة التي يقوم بها بنك البذور في الضفة الغربية، وكنت معجبًا بالدور الوطني الذي يؤديه للحفاظ على التراث الفلسطيني، بدعم المزارعين بالحبوب الأصلية القوية، ولطالما تطلعت إلى إنشاء بنك مماثل يستفيد منه جميع مزارعي قطاع غزة".

ولأن مساحة البنك صغيرة ولا يتسع لحفظ كميات كبيرة من البذور؛ يلجأ مهنا إلى تجديد البذور بالزراعة العضوية، إذ يقرضها مزارعين يمتلكون أراضي زراعية تتمتع تربتها بخصائص جيدة لنمو المحاصيل ولا يزرعون فيها البذور الهجينة، ويتعهد المقترض بإعادتها للبنك فور أن ينضج محصوله، ويكون قادرًا على استقطاع البذور منه.

ويشير إلى أنه يمتلك 32 نوعًا من البذور البلدية، منها 5 أنواع لمحصول القمح، يحافظ عليها من الاندثار مع اندفاع المزارعين نحو المعدلة وراثيًّا.

وتتنوع البذور التي يضمها "بنك القرارة"، لتشمل: البقدونس، والسبانخ، والجرادة، والشومر، والحلبة، والبصل، والجزر الأحمر، والجزر الأصفر، والباذنجان، والفلفل، والبطيخ البلدي، والفقوس، والشمام.

ويخبر بتوافر بذور بصل بلدية متوارثة منذ عام 1967م، وهي الأكثر طلبًا في الأسواق حاليًّا، لأن جودتها عالية ولا تتلف بسرعة.

فوارق إنتاجية

ويفيد مهنا أن البذور المهجنة تعطي وفرة في الإنتاج مقابل حاجة أكبر من الأسمدة الكيميائية، ولكنها لا تعيش لدورة إنتاجية ثانية، إذ تزرع مرة واحدة في العام ولا يتمكن المزارعون من استقطاع بذور أخرى منها، لاستخدامها في المواسم التالية.

ويضيف: "البذور المهجنة مكلفة ماديًّا ولا تناسب كلّ أنماط وعوامل التغير البيئي، وتستهلك كميات كبيرة من المياه في الري مقارنة بالبذور البلدية الأصيلة، التي تفوقها إنتاجًا بنسبة تتجاوز 20 من المئة أحيانًا".

ويلفت مهنا النظر إلى أن السكان أصبحوا يتجهون نحو استخدام البذور البلدية في الزراعة الحضرية داخل المشاتل وفي حدائق المنازل، لأنها تتحمل الجفاف، وإزاحة الفصول.

وبشأن كيفية جمع البذور الأصيلة غير المعدلة وراثيًّا يبين مهنا أن بعض البذور أنبتت في قطاع غزّة، والأخرى حرص على جلبها من البنك المركزي الذي يغذي محافظات الضفة الغربية.

ويوضح أن طريقة حفظ البذور تقوم على أساس علمي في درجات حرارة منخفضة داخل ثلاجات مخصصة يمكنها الإبقاء على حالتها الصحية وجودتها سنوات طويلة، ويشرف عليها مهندس زراعي مختص.

منتج عالي الجودة

في هذا الإطار يفيد المهندس محمد حسين المتابع للمشروع من الناحية التقنية والمعلوماتية أن عملية جمع البذور نفذت بعد جولة استهدفت معظم الأماكن الزراعية في قطاع غزّة، للتعرف إلى طبيعة الحبوب المستخدمة في الزراعة، مضيفًا: "وأجرينا تجربة زراعية على مساحة صغيرة؛ فوجدنا زيادة ملحوظة في الإنتاج من البذور الطبيعية".

والفرق الواضح الذي سجله الخبير في مجال إدارة الآفات هو جودة المنتج والقيم الغذائية العالية التي تحملها البذرة الطبيعية، منبهًا إلى أن بعض النباتات التي تُزرع بالطريقة التقليدية تُوصف علاجًا عربيًّا لكثير من الأمراض.

ويقول حسين: "فائدة أخرى تعود على المزارعين المعتمدين على البذور البلدية الطبيعية، التي تمتاز بصلابتها وتحملها مختلف الظروف ومقاومتها الحشرات، وهي توفير ثمن الأسمدة والأدوية الكيميائية".

ومع ذلك أمام بنك القرارة عدد من العقبات، كما يفيد القائمون عليه، أهمها ضعف الإمكانات المادية الذي يحد من توسيع بنك البذور، ليستطيع ضم كميات وأنواع أكبر من البذور، وقلة الوعي لدى المزارعين بأهمية التوجه نحو البذور البلدية والتخلي عن المهجنة.

ويشير إلى أن فكرة بنك البذور موجودة في معظم دول العالم، ويعد بمنزلة مؤسسة وطنية، يعمل على حفظ البذور وصونها، لأنها تعكس تاريخ الشعوب.