"الحركة الفنية في الداخل المحتل تعاني"

تقرير ملحمة جنين.. المخرج محمد بكري يدفع ثمن الرواية

...
المخرج محمد بكري
حيفا-غزة/ فاطمة الزهراء العويني:
  • الفن الفلسطيني بحاجة لتكثيف الرواية وأنسنتها دون مبالغة
  • المشهد السياسي يسيطر على الحركة الفنية الفلسطينية في الداخل المحتل
  • يوجد مبدعون سينمائيون والأسباب المالية تعوق غزارة الإنتاج
  • عدد كبير من فناني الداخل المحتل يقاطعون المؤسسة "الإسرائيلية" الفنية

قرابة العشرين عامًا من الملاحقة القضائية والتشويه المتعمد طالت المخرج الفلسطيني محمد بكري بسبب فيلمه "جنين جنين"، قد تصل لإدانته وتغريمه مبالغ مالية باهظة إذا لم يُقبل الاستئناف الذي قدمه، في خطوة يريد منها الاحتلال الإسرائيلي أنْ يجعله "عبرة" لغيره من الفنانين ممن قد يفكرون بإظهار بشاعة جرائمه للعالم.

"جنين جنين" جال أروقة المحاكم الإسرائيليّة منذ خروجه إلى النور قبل 19 عامًا، وتمّ البتّ في القضيّة مطلع هذا العام، إذ قررت محكمة الاحتلال المركزية في اللد منع عرضه، وتغريم بكري 225 ألف شيقل "تعويضًا" لأحد جنود الاحتلال الإسرائيلي الذين ظهروا في الفيلم.

وفي حال لم يُقبل استئناف "بكري" الذي سيبت فيه في جلسة 31 يناير الجاري، فسيضطر الفنان الفلسطيني لدفع الغرامة إضافة إلى أتعاب المحكمة والمحامين التي تصل مجتمعة إلى 700 ألف شيقل.

يوثق فيلم "جنين جنين" نضال الشعب لتحقيق الحرية والاستقلال، ويجسد دور الفن والثقافة في الصمود ومقاومة المحتل، وسط مشاهد من الجرائم والانتهاكات للاحتلال الذي سعى لإخماد الانتفاضة الثانية، في أحداث جمعت مشاهد الدماء وركام الهدم لمجزرة مخيم جنين التي استشهد خلالها 50 مواطنا، والاشتباكات التي قتل خلالها 23 جنديًا من جيش الاحتلال برصاص مقاومي المخيم الذين تنادوا لخوض ملحمة وجودية في جنين.

"يريدون احتكار الألم"

وعن أسباب تلك الملاحقة التي ابتدأت عام 2002، إذ عرض الفيلم للمرة الأولى، يقول بكري لـ"فلسطين": "يلاحقونني لأنني تجرأت على سرد رواية الفلسطيني، فهم لا يريدون سماع أي رواية أخرى غير روايتهم".

ويضيف: "هم يحتكرون الوجع والألم (في إشارة لمحرقة الهولوكوست المزعومة) ويرون أنفسهم ضحيةً أزلية محاطة بالأعداء الذين يريدون القضاء عليهم".

ويبين بكري أن أحد أسباب محاربتهم له، رفضهم مشاهدة حقيقة عدم قانونية وجودهم على أرض فلسطين "والاستمرار في تبرير احتلالهم لبلادنا تطبيقًا لوعد مزعوم من الله لهم بهذه البلاد".

ويتابع: "يلاحقونني منذ قرابة عشرين عامًا لإسكاتي وإثارة الخوف في نفوس الفنانين الفلسطينيين الآخرين وكل من تسول له نفسه انتقاد سياسة الاحتلال والأبرتهايد الإسرائيلي".

ضرب المصداقية

وأكثر ما أغاظ الإسرائيليين– وفق بكري- ودفع وسائل الإعلام للتحريض عليه، "خوفهم من أنسنة الصورة التي حملها عني الجمهور الإسرائيلي قبل ظهور فيلم جنين جنين، وهي صورة الفلسطيني غير المتطرف بنظرهم".

ويوضح أن الفيلم عرض مرات قليلة داخل دولة الاحتلال، وهوجم بشراسة من الإعلام الإسرائيلي الذي مرره إلى الإسرائيليين بوصفه دعاية فلسطينية، "فالفيلم شُوه وشيطن قبل أن يولد، وقليلون من الناس شاهدوه".

ويرى أن هذا التحريض والتلفيق أريد به "ضرب مصداقية الفيلم" خشية أن يربك الجمهور الإسرائيلي، ويجعله يدرك أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يمارس "جرائم حرب" ضد الفلسطينيين، في حين يدّعي المستوى الرسمي أن جيشهم "أكثر جيوش الأرض أخلاقية".

تكثيف الرواية الفلسطينية

ويعتقد المخرج الفلسطيني أن الرد على تلك الحملات الإسرائيلية التحريضية يتمثل في أن "ينتج الفنانون الفلسطينيون أفلامًا تتحدث عن التفاصيل اليومية لحياتهم ويركزوا على قضاياهم الإنسانية دون تهويل أو مبالغة".

وفي وجه التحريض الإسرائيلي نشأت هبة وحملات دعم شعبية للفنان بكري في الداخل والخارج في وجه الصلف الإسرائيلي، "هذا يزيدني إيمانا بعدالة قضيتي واستمد منه القوة للمواجهة والاستمرار في الكفاح من أجل حقنا جميعا في الحياة الكريمة والحرية والاستقلال".

وكل ما تعرض ويتعرض له بكري، لم يزده إلا قناعة بأهمية الفن في "تهذيب روح الإنسان ومعتقداته وجعله أكثر إنسانية وانفتاحا بعيدا عن التطرف والأصولية والتعصب من أي نوع كان".

واقع فني مزرٍ

وفي سياق آخر، يرى بكري أن أوضاع الفن في داخل الأراضي المحتلة عام ٤٨م، مزرية لأن (إسرائيل) تعامل الفلسطينيين فيها على أنهم "طابور خامس" بعد أن فشلت في تطهيرهم عرقيًا وطردهم نهائيًّا من أرضهم إبان النكبة (1948)، "رغم أنها حاولت مرارا التخلص منا بشتى الوسائل والتضييقات وفرض الحكم العسكري منذ عام 1948 وحتى 1965".

ورغم التمييز الإسرائيلي ضد فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 48، فإن حركة مسرحية نشأت في السبعينيات من القرن الماضي، كان منها فرقة "المسرح الناهض" التي قدمت بعض الأعمال المسرحية كـ "زغرودة الأرض" و"الزوبعة"، وبعض مسرحيات الأطفال، وما لبث أن انشق المسرح الناهض، وظهرت فرقة المسرح الحر التي لم تدم طويلًا، تبعًا لـ"بكري".

وعزا بكري عدم قدرة هذه الفرق المسرحية على العيش طويلًا لأسباب مادية، فالحركة المسرحية في حينه كانت غير ممولة من حكومة الاحتلال.

ويتابع: "في أواخر الثمانينيات تأسس مسرح الميدان في حيفا والناصرة وخصصت له وزارة الثقافة الإسرائيلية ميزانية ضئيلة جدًّا مقارنة بالمسارح العبرية، وما لبثت وزيرة الثقافة ميري ريغيف أن منعت تمويله لأنه أنتج مسرحية عن حياة أسير سياسي فلسطيني؛ ما أدى لاحقًا لإغلاقه".

وبجانب الفرق والمسارح السابقة، كان هناك عدة مسارح صغيرة لأشخاص معظمهم ممثلون ولكن قلة الدعم المالي وقفت عقبة أمام استمرارها ونجاحها، "لذلك تُعد الحركة الفنية المسرحية ضعيفة جدًا في الداخل المحتل".

السينما تعاني

أما "السينما" فليست بأحسن حالًا، إذ يقول بكري: "هناك مبدعون سينمائيون ينتجون أفلامهم مع شركات ومستثمرين من خارج البلاد، لكن ليس هنالك غزارة في الإنتاج لنفس الأسباب المادية".

ووفقًا لـ"بكري"، يقاطع عدد كبير من الفنانين الفلسطينيين في الداخل المحتل المؤسسة "الإسرائيلية" الفنية، "ما يجعل أعمالهم الفنية قليلة وتأثيرها في المجتمع المحلي والعالمي ضئيل، ولا يغير كثيرًا من الوضع السياسي المتأزم دائمًا".

ويبين أنه ولعدم الاستقرار السياسي الذي يعيشه الفلسطينيون بسبب الاحتلال، يُهمل الفن الفلسطيني بالداخل المواضيع الاجتماعية والمشكلات المتعددة، كالعنف والقتل والاتجار بالأسلحة والمخدرات، "فنرى الفن بمعظمه موجه لأمور سياسية تتعلق بالقضية الفلسطينية أكثر من أي وضع راهن آخر".