يعيشون ظروف حياة لم تتغير منذ الـ48

تقرير القرى "غير المعترف بها".. معركة وجود أمام "الاستيطان في النقب"

...
صورة أرشيفية
غزة/ يحيى اليعقوبي:

لا يستطيع عزيز الطوري (47 عامًا) حصر عدد المرات التي أزالت خلالها سلطات الاحتلال الإسرائيلي مسكنه في قرية العراقيب، الواقعة في النقب المحتل، التي تعرضت للهدم 196 مرة.

ولا تتوقف معاناة "الطوري" عند هدم مسكنه، بعد إصدار الاحتلال قرارًا بمنعه من دخول قريته، "لأعيش مشردًا بعيدًا عن زوجتي وأبنائي الستة، لكني لن أستسلم لقرار الهدم، وكسرت القرار الإسرائيلي، وقررت البقاء بقرب عائلتي مهما كلفني من ثمن"، كما يقول.

حياة بدائية

ويضيف الطوري لصحيفة "فلسطين": "لدينا قرار ذاتي من العائلات المتبقية في القرية أن نكمل ما تبقى من حياتنا صامدين مؤمنين بحقنا، لا نتخيل أن نسلم أرضنا -التي ترعرعنا بها منذ نعومة أظفارنا واكتملت حياتنا بتكوين أسرنا- للاحتلال وضغوطه الإجرامية".

وعائلة الطوري من بين عدة عائلات مكونة من 87 فردًا، بقوا في القرية بعدما كان تعدادها 573 نسمة، يعيشون حياة بدائية بلا كهرباء ولا ماء، إلا من خلال حفر آبار أو استخدام الطاقة الشمسية للحصول على إنارة ضعيفة لا تكفي لتشغيل الأدوات الكهربائية.

ويصف الطوري الحياة بقرية العراقيب بأنها "حالة حرب" يعيشها الأهالي فـ"دائما هناك خوف، وانتظار من قدوم قوات الاحتلال، وهل سيضاف رقم جديد لعمليات الهدم".

"نعيش حالة استنفار يومية، وهناك خوف على أطفالنا الذين يدرسون في مدينة "رهط" والتي تبعد عنا مسافة عشرة كيلو مترات، فنقوم يوميًا بإيصالهم بواسطة ما نملكه من سيارات ووسائل نقل".

ويتحدث الطوري عن تفاصيل المعاناة اليومية، منتقلا لجانبٍ آخر "عندما يأتون لهدم البيوت، في كثير من الأحيان لا نستطيع إخراج الملابس والأثاث من بيوتنا فتهدم مع البيوت التي هي مزيج بين الخيام والبلاستك والصفيح، ومرات يصادرون سياراتنا وشاحناتنا".

وتابع: "أن الأهالي يتكاتفون بعد كل عملية هدم ويزودون بعضهم بالملابس والأغطية، فيما تتكفل عائلة واحدة بإعداد الطعام لعائلات القرية يوم الجمعة.

وذكر أنه في عام 2014 حاصر الاحتلال القرية 24 ساعة قبل أن يقوم بهدمها، "لم نستطع يومها البناء لمدة ثلاثة أشهر، لكننا لم نغادر القرية وبقينا بدون فراش نلتحف السماء ثلاثة أشهر كاملة".

استغاثة طارئة

في قرية الأطرش في النقب، أصواتُ استغاثة تصل إلى مسامع خليل عيد مع ساعات الصباح الأولى: "الحقوا.. الجرافات أجت!"، خرج من بيته هو واخوته لحماية أرضهم التي ورثوها عن والدهم كما خرج أهالي القرية للتصدي لقوات الاحتلال، ومنعها من زراعة الأشجار، بهدف للاستيلاء على الأرض.

حياة غير مستقرة يعيشها "عيد"، يمنعهم الاحتلال بناء بيوتهم المسقوفة بألواح الصفيح (الزينكو)، اعتقله مرتين وأبعده عن القرية 15 يومًا مرت وكأنها 15 عامًا تجددت معه ذكريات النكبة التي حدثه عنها والده، تقف جرافات وآليات الاحتلال بالقرب من منازلهم وهي تضع مجهر التهجير والمصادرة على أراضيها.

يدخلك لتفاصيل الحياة اليومية لسكان القرية: "هذه حياة فُرضت علينا ونتمسك بأرضنا حتى لا يسيطر عليها الاحتلال لذلك نتحمل قسوة العيش والمعاناة اليومية، لا يوجد شيء اسمه مقومات حياة، فلا مياه ولا كهرباء، وإن حصلنا عليها فإننا نحصل عليها بمشقة (الطاقة الشمسية البديلة)".

يجسد الأطرش -الذي يعيش مع أسرته في منزل من الصفيح- واقع يعيشه ويعانيه سكان 35 قرية غير معترف بها من قبل الاحتلال، البالغ عددهم 80 ألف نسمة، من أصل 300 ألف عربي يعيشون بالنقب البالغ مساحته 14 ألفا و230 كيلومترا مربعا، يخوضون معركة وجود أمام مشروع "الاستيطان في النقب" الذي أطلقه الاحتلال في قلب التجمعات السكنية البدوية، بهدف إقامة 12 مستوطنة جديدة وعشرات المزارع الفردية للمستوطنين.

حياة لم تتغير

بدوره، أكد رئيس المجلس الإقليمي للقرى "غير المعترف فيها" بالنقب، عطية الأعسم، أن الأهالي يحاولون تجاوز اجراءات الاحتلال بتوفير بعض الخدمات، فيستخدمون الطاقة الشمسية أمام رفض الاحتلال ربط القرى بشبكة الكهرباء القطرية.

وأوضح الأعسم لصحيفة "فلسطين"، أن "القرى تعاني من عدم وجود شوارع للدخول والخروج منها، كما تغرق في فصل الشتاء من الأمطار والسيول التي تخرب الممرات الترابية، حيث تصعب حركة الناس من القرى وإليها".

وبين أن معاناة القرى غير المعترف بها لا تقتصر على عدم توفر خدمات أو بنية تحتية، فتتعرض باستمرار إلى مصادرة الأراضي من خلال عملية التشجير بهدف الاستيلاء عليها ومنع توسعها، وإقامة مشاريع طرق وسكك حديدية ومعسكرات لجيش الاحتلال، بهدف إجبار سكانها على الرحيل.

ولفت إلى أن معظم سكان قريتي العراقيب وأم الحيران تمكن الاحتلال من تهجيرهم من أرضيهم من خلال عملية الهدم والتحريش، وذلك في إطار مخطط الاحتلال لإقامة 12 مستوطنة على مساحة القرى غير المعترف بها والبالغة 800 ألف دونم.

وذكر الأعسم أن الحصول على الماء أشبه بمعاناة يومية يعيشها الأهالي، فسياسة الاحتلال بمنع إمدادها بخطوط المياه، تضطر أهالي القرى البعيدة لتعبئة صهاريج يومية رغم ارتفاع تكلفة تعبئتها، إذ يبلغ الكوب (ألف لتر) 80 شيكلاً.