انتفاضة النقب وأكذوبة التعايش مع الاحتلال

 

جاءت أحداث النقب الأخيرة، التي تخللتها مواجهات شعبية فلسطينية مع جيش الاحتلال، شارك فيها الرجال والنساء على حد سواء من أبناء الشعب الفلسطيني الصامدين فوق أرضهم في النقب المحتل لتعيد إلى ذاكرتنا مشاهد الصمود الفلسطيني في حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة، وأحداث انتفاضة الأقصى، ومن قبلها انتفاضة الحجارة، وأحداث يوم الأرض التي انتفض فيها أبناء الشعب الفلسطيني دفاعًا عن أرض فلسطين، ورفضًا لمخططات الاحتلال باقتلاع الفلسطيني من أرضه، وطرده من بيته، في مخطط استيطاني إحلالي متواصل منذ قرن مضى من الزمن لم يُكتَب له النجاح حتى اللحظة في إقناع الفلسطيني بالهجرة من أرضه طواعية.

عمليات التجريف الأخيرة التي نفذتها حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة، والتي تستهدف منطقة النقع شرقي مدينة تل السبع في النقب المحتل، بذريعة تشجير أراضٍ قاحلة، هي امتداد لسياسة كيان الاحتلال المعادية للفلسطينيين، والتي تعتمد القمع، والاعتقال، واقتحام المنازل، والاعتداء على الأبرياء كأدوات خشنة بهدف دفع الفلسطينيين للاستسلام، وعدم التصدي لعنصرية الاحتلال، أو محاولة إفشال مخططاته الاستيطانية المتواصلة في منطقة النقب المحتل.

ترفض حكومات الاحتلال المتتالية الاعتراف بحق الفلسطينيين من أهالي النقب في السكن داخل قراهم التي يتجاوز تعدادها الخمسة وأربعين قرية فلسطينية، كما وتحرمهم من البنية التحتية، وإمدادات الكهرباء، وتسعى إلى حشرهم للسكن في مساحة ضيقة جدًّا من أرض النقب التي تُشكّل مساحتها أكثر من نصف جغرافية فلسطين التاريخية، في سياسة عنصرية تتنافى مع مزاعم حكومات الاحتلال بأن دولة الكيان هي واحة للديمقراطية وأنموذج للتعايش بين الفلسطينيين والاحتلال.

محاولات حكومة الاحتلال السيطرة بالقوة المسلحة على القرى الفلسطينية السِت في منطقة النقع شرقي بئر السبع، وإصرارها على طرد سكانها الفلسطينيين الذين يتجاوز تعدادهم الثلاثين ألف نسمة، يؤكد من جديد استحالة التعايش مع عنصرية الاحتلال، وسياسات التهويد المتواصلة للأرض الفلسطينية، ويكشف زيف ادعاءات البعض ممن سولت لهم أنفسهم تقديم دعم سياسي لحكومة بينت-لابيد المتطرفة، مقابل موافقتها على إقامة بنية تحتية للفلسطينيين في النقب المحتل، فأحداث النقب الأخيرة أكدت أن داعمي حكومات الاحتلال المتطرفة من الفلسطينيين يعيشون أوهامًا بعيدة عن أرض الواقع.

مشاهد الصمود التي تابعناها جميعًا من خلال انتفاضة أهلنا في النقب المحتل في مواجهة جيش الاحتلال، والوقفات التضامنية الداعمة لهذا الحراك الوطني في غزة، وأم الفحم، وحيفا، ويافا، والناصرة، إضافة إلى بيانات المؤازرة والإسناد التي أصدرتها القوى الفلسطينية دعمًا لانتفاضة النقب تؤكد على وحدة أبناء شعبنا الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، وأن المقاومة بكافة أشكالها بما فيها المقاومة الشعبية والمسلحة هي وسائل وطنية يلتف حولها أبناء الشعب الفلسطيني الذين باتوا يرون في المواجهة الشاملة سبيلًا وحيدًا لاقتلاع الاحتلال من أرض فلسطين.

ورغم أن حركة فتح أصدرت بيانًا رافضًا لعدوان الاحتلال على أهالي النقب، إلا أنه من اللافت أن السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية بما تمثله من أجسام رسمية يفترض بها أن تمثل الشعب الفلسطيني قد صمتت صمت القبور أمام الأحداث المشتعلة في النقب المحتل، وكأن الأحداث لا تعنيها من قريب أو من بعيد، وكأني بها تخشى أن تستنكر أفعال حكومة بينت-لابيد المتطرفة فتحرمها الأخيرة من امتيازات اقتصادية يتمتع بها قادتها من رام الله المحتلة.

ختامًا فإننا نُعلن تضامننا مع أهلنا في النقب المحتل، وإننا نعد مؤازرتهم، وإسنادهم واجبًا وطنيًّا ينبغي أن يقوم به الكل الفلسطيني، فالشعب الفلسطيني في شتى أماكن تواجده هو هدف للطرد والاستئصال من قبل حكومات الاحتلال الصهيوني، وإن انتصار أهلنا في النقب في هذه المواجهة التي فُرضت عليهم قسرًا هو انتصار للكل الفلسطيني وللقضية الفلسطينية.